الجمعة، 24 يناير 2014

غروب في ضوء الشمس


غروب في ضوء الشمس

 قال القاضي وقد شمر عن زنديه ؛ وهيأ القلم :
-         أيتها الحاجَّة ماذا تقولين في شكوى زوجك ، وطلبه ؛ فكما سمعت لم يترك عيبا ولا نقيصة إلا ألصقها بك ، فهو كما يزعم عاش معك جحيما  لا يطاق، ولم يعد قادرا على مواصلة المشوار ، وحسب أقواله فإن عدم الاستجابة لطلبه  بتطليقك منه ظلم ترفضه مبادئ العدالة.
قالت العجوز وهي ترنو نحو زوجها وحبها الوحيد:
-          سيدي القاضي زوجي هذا شيخ فاضل، أتعبه الدهر بكره وقسوته، وهاجمه العجز من كل جهة...
 نهرها القاضي: قولي ردك بشأن طلبه الحكم بتطليقك:
سيدي الرئيس:
-         زوجي هذا كان دوما فاضلا، شهما وكريما وقطعنا  معا ستين سنة ؛  لكل سنة منها ألف وجه ووجه ، فيها من الليالي المرة الكثير ، وفيها مثلها من الأيام الحلوة، ولعله- ولطول المسيرة- قد مل عشرتي، وقد أكون أهملته في غمرة الاهتمام بالأبناء  فاعترى مشاعرنا الصدأ ، وقد يكون محقا لأني  لم أعد قادرة على إرضائه فالزمن يذيب الاجساد ويذهب برونقها ، ويخرب العقول  وينهك الأرواح
يصرخ القاضي بضيق واضح:
-         (يا الحاجَّة) قولي ردك بشأن طلبه الحكم بتطليقك:
وكأنها لم تسمع صراخ القاضي:
ولكنني لا أنكر أنه كان خير زوج  يمكن أن ترزق به امرأة ،وكان نعم الرفيق حتى الأشهر القليلة  الأخيرة حيث تغير مزاجه ، وأصبح عصبيا، ينزعج بسرعة وبغير سبب :
حاول الشيخ ان يتدخل فنهره القاضي. اسكت، أنت.
قالت :
-         العجوز سيدي القاضي ليس من حقك أن تنهره بهذا الشكل ،لأنه رجل فاضل؛ يستحق أن يعامل بلطف واحترام.
سيدي القاضي.
 لقد أحببته  ، كنت دوما ، ولا أزال ، ولا أحب أن ازعجه ؛ أو أرد له طلبا، ولا أحب أن يزعجه أحد مهما كان ،  فقد جعل حياتي  كلها سعادة ومتعة رغم  صعوبة الحياة ومرارة الصراع ، ويكفيه أنه منحني الاحساس بالاطمئنان المطلق على مستقبلي حتى آخر لحظة ، وحيث أنه  الآن يرغب في تطليقي أرجو سيدي القاضي أن تلبي رغبته كما كان الأمر دائما.
 
 
          في هذه اللحظة تقدم الشيخ من رفيقة دربه ، أمسك يدها التي انقادت له في رقة الحرير ،احتضنها بين كفيه برقة ، قبلها وهي تتابع حركاته بهدوء وحنان أغرق قاعة المحكمة ، ثم قبص على معصمها الأيسر بيسراه ،و مرر ذراعه فوق كتفها الأيمن برفق واستدارا وقد احتضنها ، وخرجا متجاهلين القاضي، وكاتبه ؛وشرطة الحراسة ، تحت تصفيق الجمهور الذي وقف احتراما ، وغابا هاربين من عثرة حتمتها ظروف طارئة، عبر باب المحكمة و ذابا  في ضوء شمس الأصيل الذي كان يغرق المدخل الغربي.
 
                                                                 الضيف حمراوي 24/01/2014
 
 
أبشع الوحوش و أخطرها وأقذرها على وجه الأرض هو الإنسان إذا تجرد من الأخلاق


 

الأحد، 1 سبتمبر 2013

الهدرة باطل

الهدرة باطل

أوردت الصحف الصادرة يوم  2013/09/01م  على صفحاتها ؛  أن رئيس الحكومة سلال قد دعا إلى ترك العلوم الإنسانية وفي مقدمتها اللغة العربية وآدابها ، والتاريخ لعدم جدواها ، و حث على ضرورة  الاهتمام بالرياضيات والعلوم الدقيقة والتكنولوجيالأننا لن نتقدم بـالشعر  " قل أعوذ برب الفلق" وهو يعتقد أنها شعر.
وأوردت جريدة الخبر- على سبيل المثال-  ذلك تحت عنوان  "- بعد أن وصفت تصريحاته بالمستفزة - النقابات تتهم سلال" بالتهكم " على اللغة العربية."


وإذا صح الخبر ؛ وصح صدوره عن رئيس الحكومة ، وإذا كان صادرا عن نية صادقة   لديه  يتطابق فيها القول الملفوظ بالمعنى المقصود  -لأننا نعرف شيوع  ظاهرة العي  الكبيرة في التعبير لدى مسؤولينا-  يكون السيد سلال أول رئيس يعبر بصدق عن حقيقة النظام في الجزائر ، إذ ما جدوى دراسة العلوم الإنسانية في دولة تفتقر مؤسساتها وتشريعاتها إلى أبسط المبادئ الإنسانية ، وما جدوى  دراسة لغة تمقتها السلطة  ؛ وتحتقرها وتراها عاهة وانتحارا فقد سبق القول أن  " L’arabisation en  Algérie est une suicide " .
وما جدوى دراسة تاريخ لا توجد فيه ذرة من المصداقية، صنعت وقائعه وأحداثه وشخصياته حسب الطلب الذي حددت شروطه رغبات وأهواء ومصالح الفئة المتحكمة ، وطمست أخرى حتى لم يبق لها أثر؟.

وإذا صح الخبر وصح صدوره عن السيد رئيس الحكومة ؛ فهو الدليل على أنه لا يعرف شيئا عن المنظومة التربوية، ولا  يعلم شيئا عن أسباب أزمات الجزائر المتلاحقة ، وعلى رأسها تحقق رغبته التي يدعو  إليها منذ أن كان هو يحبو في ساحات مدارسها، فباستثناء الحقبة القصيرة التي تلت الدعوة  إلى التعريب في عهد المرحومين هواري بومدين ومولود قاسم نايت بلقاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية ، لم يعط المسؤولون والقائمون على التربية والتعليم في يوم من الأيام  اهتماما للغة العربية أو للعلوم الإنسانية ، إذ المعلوم عند كل من مر بالمدرسة ، أو كانت له علاقة أو اهتمام بها أن أضعف التلاميذ وأكسلهم بل وأغباهم   كان دائما هو  من يوجه  لقسم اللغات ثم يوجه الميؤوس منهم إلى قسم الآداب والفلسفة.
وهؤلاء هم عماد التعليم عندنا ، وهم أعمدة صحافتنا وقادة إعلامنا ، وهم رجال العدالة المنكوبة لدينا  بمختلف فروعها وأجنحتها ، ومنهم ساستنا وعلماء اجتماعنا ؛و دعاتنا ورجال الدعوة عندنا ، فأين رأى رئيس الحكومة الاهتمام الزائد بالعلوم الإنسانية والاهتمام الفائق باللغات  الذي استكثره وضيق عليه نفسه.
لو كانت هناك ذرة من الاهتمام أو التثمين للغة العربية وآدابها وللفلسفة ، وللغات ألأجنبية وآدابها ، و لو كانت هناك قوانين تسمح أو تنص على ضرورة توجيه  قسم  من أصحاب المواهب والقدرات والمعدلات المرتفعة إلى فرع الآداب والفلسفة أو اللغات لكان حالنا غير الحال الذي نحن عليه، ولكانت عدالتنا هي الأمن والأمان ، ولتمكن الناس من الانصراف إلى التفكير والعمل والتعبير بصدق وحرية وهم مطمئنون على أن حقوقهم وأرزاقهم وثمار عرقهم محفوظة مصونة وهذا هو الشرط القاعدي لأي نشاط بشري ، ولفرت الأدمغة ، والكفاءات العلمية  ورِوس الأموال  هاربة من الخارج تسعى نحونا من كل صوب  ، عكس ما هو جار اليوم. لو كان لنا رجال دين يحسنون قراءة ما يتلون أو يتلى عليهم لما تصدى للفقه والفتوى المنبوذون من المدارس،  والمتخصصون  العاجزون في الرياضيات والفيزياء، والبيطرة  ولما فرخ الإرهاب بيننا وتجذر ، لو كان  ذلك  وتحقق يوما لأصبح عندنا مثقفون "ينهجون للأمة  سبل سعادتها  في الحياة، و يغّذونها من علمهم وآرائهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم في أيام الخوف ليحلوا لها المشكلات المعقدة و يخرجوها من المضائق محفوظة الشرف والمصلحة."[1]
السيد رئيس الحكومة يطلب تحقيق المحقق بين يديه قانونا وواقعا ، والمناقض للمادتين الأولى والثانية من الدستور ، والحمد لله أن المتسببين في الفضائح ومن كان على شاكلة الخليفة ، وشكيب خليل  وأشباههما في التخصص والسلوك ليسوا من المحسوبين على خريجي الفروع الأدبية. وإذا أتخذنا ما نسب إلى السيد رئيس الحكومة  موجها ومحجة يصبح من حقنا ومن حق حكومتنا ان نسخر من جامعه هارفارد العريقة وعلمائها لخبل عقولهم واهتمامهم بالأدب فقد  كتب  انريكِ أندرسون إمبرت  أستاذ النقد بجامعة هارفارد في كتابه    مناهج النقد الأدبي :

" فالجيولوجيون، وعلماء النبات، وعلماء الحيوان، والباحثون في  خصائص الشعوب، والاقتصاديون ، ومؤرخو الأفكار ، والخطباء الدينيون والوعاظ ، واللغويون والنفسانيون ، يستطيع أي واحد منهم أن يلقي بشباكه في بحر ألأدب ليصطاد أمثلة ومعلومات ،وإيضاحات ،وحتى زينة وزخرفة. "[2] هذا في الجانب النفعي المحض.  وهو في الأدب عرضا يأتي من غير قصد.

إن الإنسان بدون نوازع إنسانية يزرع بذورها الفضلاء  وترعاها التربية الوجدانية وتتعهد نموها العواطف النبيلة، وبدون  انتماء ، وبدون هوية ،وبدون أخلاق ولا قيم  توجه إرادته ، وتؤطر سلطانه، تدفعه إلى الخير وترده عن الشر ، وتملأ قلبه بالمحبة والإيثار والتضحية  وتطهر ذاته ووجدانه من الشر وأدرانه والأنانية وظلامها وفظاعة نتائجها. هو أخطر الوحوش الضارية على وجه الأرض ، وتزداد خطورته على قدر رفعة المنصب الذي يشغله .

من البديهيات الشائعة لدى العقلاء أن اللغة عند الأمم المتطورة مؤسسة اجتماعية ، وأخلاقية ، واقتصادية ، وهوية وجود ، وفي غيابها لا شيء  ولا حاجة لا لدولة ولا لحكومة، واللغات الأجنبية عند الامم الموجودة ، والتي تعي وجودها وأبعاده ما هي إلا نوافذ أو شرايين لتغذية الذات الموجودة ودعمها ، وقد لا يحتاج إليها إلا للرصد والمتابعة إذا كانت الذات قوية صحيحة مقتدرة.  والخطأ الأول هو النصان الخادعان المتمثلان في المادتين الثانية والثالثة من الدستور "الإسلام دين الدولة" و "اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية."  واللذان يجب  إزالتهما  تلبية لرغبة السيد رئيس الحكومة  قبل الدعوة إلى تهميش اللغة وعلومها ، أو التهوين من شأنها ، أو تعليق كسل وتخلف أهلها عليها . إذ هي اللغة المقصودة  الممقوتة  ، والعائق الأكبر الذي منع الجزائريين من ألٌإقلاع  في مضمار السباق نحو الرقي العلمي والصناعي  ، وهي التي زاحمت اللغات الأجنبية المرغوبة والممدوحة  بغير حق،   وكونها لغة الاسلام  دين الشعب   الذي يكون بدوره مصدر كل العلوم الانسانية المكتوبة باللغة العربية ، كما أنه  من أهم مصادر العلوم الانسانية في اللغات الأخرى وخاصة في الادب والشرائع لا يشفع لها . ولا ينبغي وضع أكبر عائق عن التطور والتحضر في صدر الدستور. إلا إذا كان ذلك إجراء شكليا يرضي العامة ويستغفلها ،لأن واضعها يدرك مدى غباء المحكومين ، وهو يدرك أن كتابتها تغنية عن تحقيقها بل وتمكنه من تحقيق نقيضها.

و إذا أخذنا بما نسب للسيد رئيس الحكومة ، وإذا كنا نعرف بداهة  أن وجود القرآن وما تفرع عنه من علوم ، ومصيره -  قوة وضعفا ، بقاء واندثارا - متوقف على اللغة ،و إذا علمنا أيضا أن تاريخ المرْء والمجتمع هو محصلة تمثل القسم الوحيد من الحياة التي تحققت موضوعيا ووجدانيا ، وكتبت بحروف لا تمحى ولا تنسى إلا بالموت ، تبين لنا بالدليل أن السبيل الوحيد للتطور  حسب رأي السيد رئيس الحكومة هو حذف المادتين أعلاه من الدستور ، لأن طبيعتهما تحتمان بقاءهما معا أو ذهابهما معا. وهما والتطور نقيضان حسبما نسب للسيد رئيس الحكومة ، إذا حضر أحدهما غاب الثاني بالضرورة
وحيث أن حذفهما لا يتصوره عاقل ، و حتى  وإن  حذفا  من الدستور كما كان الأمر إبان الاستعمار الفرنسي ، فإن حذفهما من القلوب والعقول مستحيل .
و لكن  من زاوية أخرى فلعل السيد رئيس الحكومة محق في بعض ما ذهب إليه ، إذ ما فائدة دراسة تاريخ أغلبه روايات مزيفة ,و أحداثه الموضوعية مطموسة  ومشوهة أو غير موجودة أصلا؟  كتب بأيد أعداء ألأمه  والمندسين والمتسللين. والمنتفعون به هم أعداء الأمة ذاتها بل قد يكون منهم قادتها وراسمو غاياتها ومسارها ؟
وما فائدة تدريس لغة في مجتمع  هو أول من يحتقرها ، ويحط من شأنها ،  لا يستعملها أفراده ومؤسساته ،ولا يحسن المسؤولون عليه تركيب جملة صحيحة منها شكلا ومضمونا ،  ما جدوى تدريس لغة لا معنى لألفاظها لدى قضاتها والساهرين على العدل فيها ،بحيث تتميع المعاني ، وتذوب حدود المفاهيم والمدلولات  بين أيديهم، ويغدو المفعول به فاعلا  والفاعل مفعولا به تركيبا  وقضاء  وتصير الصفة حالا والحال تهمة تركيبا وقضاء فيعنى حكم البراءة فيها ، إدانة ثابتة للبريء ، ويعني الغش خصلة حميدة للمتصف به ، ويعني رهن العقار بيع ثابت ينزع ملكية المالك ،  وتطهير المرهون  هدية للمرتهن ،  والكل فوضى لأن  القضاء  من بدايته إلى منتهاه لغة  في لغة فماذا يعني دراسة لغة لا يعرف المشتغل بها مدلولاتها ، او لا حرمة لمدلولاتها وقواعد بنائها لديه ؟ تخلق الفوضى، وتنشر الغموض، وتطمس الرؤية و تقصم ظهر العدل ، وتشيع العداوة والبغضاء ، وما جدواها؟.

و قبل لوم السيد رئيس الحكومة أو استنكار أو استهجان  ما نسب إليه يجب أولا بحث علاقة الإنسان باللغة والعلوم الإنسانية ، ونص الإشكالية هل الإنسان هو الذي يخلق اللغة والعلوم الإنسانية ، أم اللغة والعلوم الإنسانية هي التي تشكل الإنسان ؟ وما جدوى تدريس العلوم الإنسانية لكائنات لا علاقة لها بالإنسانية ولا تمتلك أدنى مواصفاتها ؟. وبعبارة أخرى هل لدينا إنسان؟.

نعم  لا حاجة لتدريس العلوم الإنسانية في أمة تحركها الدوافع والحاجات البيولوجية ولا شيء وراء ذلك ،و خارج كل الأطر الأخلاقية والٌقيم الإنسانية ، وتستعمل اللغة فهما وتفسيرا على مقاسها ، وفي حدود إشباعها ويصبح كل ما يحقق الغاية البيولوجية لغة.

حين يتحدث مسؤول في البلدان التي تتشكل مجتمعاتها من البشر يهتدون ،  بتفكير علمائهم ومفكريهم وصانعي إنسانيتهم عبر العصور من أرسطو وأفلاطون وسقراط وكنفوشيوس  إلى  بيرتراند راسل وريتشارد دوكنز ، وجون لينيكس ويستشهدون بأقوالهم بدون تحريف أو تزييف ، وعن فهم عميق ووعي متبصر ، وحين يتلكم المسؤولون في بلداننا  ، يخلطون العربي بالأعجمي ، والعامي بالفصيح ، والخاطئ بالصحيح ، والحابل بالنابل  ويأتون قعقعة وهدرة،  لا يفهمون هم أنفسهم معناها أو مغزاها ، لأن الكلام هو ما أفاد فائدة يحسن السكوت عليها وعبر عن بنية فكرية في ذهن صاحبة يتوافق وبنية الواقع المادي والمعنوي المراد التعبير عنها واستفز ذهن المتلقي .

إن اللغة والعلوم الانسانية وضعت في الأصل للمجتمعات الإنسانية ، وبذلك قلا داعي لتعليمها أو تدريسها لقطعان متقاتلة متصارعة لهه تقنياتها في تحصيل  متطلبات العيش البيولوجية، مجتمعات  لا يرى فيها الأفراد إلا أنفسهم ، تجمعات  أو قطيعان كل من فيها نرسيس يعشق صورته عشقا جنونيا مميتا، لم ير في البحيرة سوى صورته ؟.

ما فائدة تاريخ يخلد أبطالا قدموا أرواحهم الزكية قربانا ، وتركوا أبناءهم وأباءهم تحت رحمة أعدائهم ،نهبا لنوائب الدهر في سبيل مصير وهمي لم ولن يتحقق لأنهم  لم يدركوا أنهم كانوا بشرا أسوياء في مجتمع لا إنسانية فيه.

 ما فائدة تاريخ شهيد رواه عنه ، وسجله في غيابه حركي وخائن، كان وسيبقى خصمه إلى يوم الدين ، وما فائدة تاريخ ثائر منفي مات في أدغال غويانا الفرنسية ـ أو في مجاهل كاليدونيا رواه وسجله  "قايد" و"باشاغا"  و"شانبيط"  وصادر أملاكه وكان ومازال  هو اليد الضاربة للمستعمر على مدى قرنين ويزيد.

الحق كل الحق مع السيد رئيس الحكومة ، اللغة يُحتاج إليها و تُستعمل بين البشر ، وهي إحدى شروط وعلامات وجوده ،  والدليل الوحيد على وجود عقول تشتغل ، وعن فكر وقيم تخدم الإنسان ، ولا مبرر لوجودها خارج المملكة الإنسانية ، اما التفاهم في حدود المتطلبات البيولوجية  فهو متاح حتى للثيران. والثيران لا تحتاج إلى لغة أو تاريخ أو قانون  أو علوم  إنسانية لأنها قد تفسده ، ومن زعم غير ذلك فهو لا يفهم اللغة في أي مستوى كانت.

 



[1]  أثار الإبراهيمي ، محمد البشير الإبراهيمي ، بتصرف طفيف


[2]  مناهج النقد الأدبي ، أنريك أندرسون أمبرت ، ترجمة  د/ الطاهر أحمد مكي ، مكتبة الآداب ، القاهرة 1991 ص 12، 13
 
 
أبشع الوحوش و أخطرها وأقذرها على وجه الأرض هو الإنسان إذا تجرد من الأخلاق

الخميس، 15 أغسطس 2013

الجرة ذات الصدع

الجرة ذات الصدع

كان لسقاء هندي حمال ، جرتان كبيرتان، تتأرجحان على طرفي قطعة خشبية يضعها نيرا على رقبته ، يهد ثقلاهما منكبيه.
و كان في أحدى الجرتين صدع ، وبينما كانت الثانية سليمة ، تحفظ كل ما بداخلها من النبع حتى بيت السيد ، كانت ذات الصدع تضيع نصف ما بداخلها من ماء أثناء الرحلة.
وفي كل يوم، خلال عامين، كان حمال الماء السقاء، لا ينقل إلا جرة ونصفا، في كل رحلة من رحلاته بين النبع وقصر السيد.
كانت الجرة السليمة فخورة ، سعيدة ، متباهية، لأنها كانت تؤدي وظيفتها على أكمل وجه ، من البداية إلى النهاية ، بينما كانت الجرة ذات الصدع ، مكسورة الخاطر حزينة ، لشعورها بالتقصير عن أداء وظيفتها على أكمل وجه، بسبب تضييعها مياها ثمينة تعب صاحبها في حملها، دون أن تمكنه من إيصالها إلى غايتها
وفي نهاية السنتين ، كان الشعور بالذنب قد سكن كل ذرة في الجرة ذات الصدع ، وتيقنت من فشلها ، واستولى عليها اليأس ، فتوجهت إلى حمال الماء وهو يعبئها في النبع قائلة :
 - أشعر بأنني مذنبة ،وأسألك العفو والمغفرة، يا سيدي.
 - لماذا؟ وعلى ماذا؟ سألها الحمال .
 - ما الذي يخجلك؟.
قالت: لم أفلح إلا في حمل نصف ما كان يتوجب علي حمله إلى سيدنا في قصره خلال العامين، بسبب هذا الصدع اللعين، فجعلت جزءا كبيرا من تعبك يذهب هباء، وحرمتك بذلك من الحصول على ثمار جهودك المضنية.
هز قول الجرة ذات الصدع أعماق الحمال، فأجابها بعد إطراق وتدبر.
في طريق عودتنا الآن إلى قصر السيد، أريد منك أن تنظري الأزهار النظرة الآسرة المشرئبة في زهو على طول الدرب الصاعد على الرابية.
وفي طريق العودة، نظرت الجرة ذات الصدع فرأت أزهارا غضة ، نضرة ، رائعة الجمال، تستحم تحت نور الشمس على حافة الدرب ،توزع عطرها هدية للعابرين ، وتمسح عن النفوس الصدئة أدران الشقاء، فكان منظرها ذاك بلسما شفى بعض ما بقلبها من أسى ، وجبر بعض ما به من انكسار. ولكن – وفي نهاية الدرب- عاودها الشعور بالحزن والدونية لأنها كانت قد ضيعت كالعادة نصف ما كان بداخلها من ماء.
قال حمال الماء للجرة ذات الصدع :
 - أرأيت ؟ كانت الأزهار من ناحيتك فقط، ولا شيء تقريبا في الناحية الأخرى الموالية للجرة السليمة. لأنني حين رأيت إصابتك و وتسرب المياه منها نثرت بذور الأزهار على طول حافة الدرب حيث تسقط القطرات التي ترشح منك فترويها على أكمل وجه ، وبفضلك ، استطعت قطف باقات رائعة الجمال ، زينت مائدة السيد طوال عامين كاملين ، وما كان لي لولاك أن أجد أزهارا على هذا القدر من الروعة والنضارة.


ترجمة : الضيف حمراوي  25-03-2012

الخميس، 4 يوليو 2013

الثورات العربية،هل هي ثورات؟.

 
بتاريخ 28/12/2012 كتب الأخ أعيان القيسي يلومني على نص كنت قد ساهمت به في ملتقى المفكرين والسياسيين العرب حول الثورات العربية. وٍرأيت ان أنقل هنا تعليق الأخ الكريم القيسي ، وردي عليه.
 
.    1المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اعيان القيسي مشاهدة المشاركة.
الاخ الكريم : الضيف حمراوي.
 
تحية طيبة
 بداية اني اؤيد ببعض ما تفضلت به ولكنك هنا وقعت بالمحظور كيف تقول لم يثبت أن العرب قاموا بثورة على امداد تاريخهم ، فهم أمة خلقت بعاهة السير إلى الوراء أو السقوط في نفس المكان الا تعرف اولا ان بداية القرن العشرين كان الوطن العربي يرزح تحت الاستعمار الإنكليزي الفرنسي الإيطالي
 ألم تدرس الثورات العربية ضد الإنكليز ومنها في العراق ثورة العشرين ومنها ثورة مصر ضد الاحتلال الفرنسي وسوريا ضد الاحتلال الفرنسي وليبيا ضد الاحتلال الإيطالي
 كيف انتهى الاستعمار وسلطات الانتداب في ذلك الوقت لو لم تكن هناك ثورات شعبية اتمنى ان نكون منصفين بالراي المطروح اخي درسنا في مرحلة الثانوية العامة في العراق  كل ما حدث في الأمة العربية أخي تاريخ الشعب العربي حافل بالثورات العظيمة والتي كسرت وهزمت قوى الامبريالية والصهيونية دمتم بخير.
 
الأخ المحترم أعيان القيسي؛ لا تعتقد أنني من جنس آخر،  ولتعلم أنني عربي قلبا وقالبا أبا عن جد، ولا تعتقد أنني أكره العرب كأفراد ؛ بسبب جنسهم ، كما لك أن تعلم  أنني لا أجد في العروبة ما يجعلني أفتخر بها ، وليكن في علمك أنني أحمل من الآسي لسوء ما كنا؛ ومازلنا ؛ وسنبقى فيه ؛ ما لا يوصف . ولكنني أحمد الله على ما شاء لمن شاء من خلقه ؛  وعلى ما شاء بهم.
 
أخي لي تصوري الخاص عن الثورة ، وهي في نظري، حركة اجتماعية  أو سياسية أو علمية  أو اقتصادية واعية ؛ وهادفة في مجتمع ما ، تؤدي إلى إحداث تغيرات جذرية ، بإزاحة بنى فكرية ؛و سياسية ؛واقتصادية ؛ واجتماعية أصبحت بالية غير ذات جدوى ، تحقق المجتمع أن بقاءَها واستمرارَها قد أصبح يهدد أمنه ، ويشكل خطرا على وجوده ؛ و عبئا عليه لم يعد قادرا على تحمله ، يعيق تطوره ؛ وازدهاره ؛ وبات من الضروري إحلال بدائل محددة وواضحة محلها ، بحيث يظهر الفرق واضحا بين ما قبلها وما بعدها.
أخي رغم إحساسي هذا ؛ فأنا حين أكتب؛ لا أكتب لمن يوافقني ،وفي نفس الوقت لا أكتب لمن يخالفني الرأي ؛   أو يعارضني فيه ، ولكنني أكتب لأعبر عن رؤيتي التي تخصني للحياة ؛ والأحداث ؛ والأشياء ، وفقا لقناعاتي التي كونتها من تجاربي ، ومطالعاتي ، وفقا للمعطيات التي بحوزتي ، وأعتقد أنها صحيحة ،ووفقا لما تجمع لدي من خلال متابعاتي للحركات ( الانقلابات والغزوات السياسية ) العربية ،عبر المسار التاريخي المدون بالشكل الرسمي المصطنع والمصنوع ؛ وبالشكل الموازي أي التاريخ المقموع الممنوع .
 ثم من خلال المصوغات والاجتهادات الشرعية المضطربة ؛المتناقضة والمتعارضة التي ولدت لنا هذا الكم من الانقسامات ؛و المذاهب ؛والفرق العربية والإسلامية؛ بشعاراتها الوهمية؛ والكاذبة التي صاحبتها ومهدت لها الطريق لتسطيح أذهان السذج الطماعين .
 
أعتقد –وأنا لا ألزم أحدا باعتقادي ولا أدعو إليه- أنه ليس في ثقافة العرب ، وليس في الجزء الأكبر من أخلاقهم المتوارثة ما يمكن أن يؤسس لقيام حضارة حقيقية، أو إنتاج ثورة ،فمصطلح ثورة منعدم في اللغة العربية،  ومعنى اللفظة في قواميسهم لا يتعدى الهيجان والاضطراب والكثرة ؛ بل إن الثورة بمعناها الاصطلاحي محرمة لدى المسلمين ؛  كما كانت لدى المسيحيين ؛ باعتبارها بدعة وخروجا عن المألوف المحدود دينيا في غير السياسة .
و في السياسة تعتبر الثورة  عند المسلمين ، مروقا وخروجا عن طاعة الخليفة ؛  أو الحاكم بأمر الله ؛  أوالمفتي أو" آية الله" الذي تجب طاعته حتى وإن كان فاجرا - وهو كذلك غالبا بطبيعته- والخروج عن الحاكم  في شرائعهم سبيل الهلاك في الدنيا ؛ والخسران في الآخرة.  وقد تعلم؛ أخي –وبإمكانك أن تعلم- أن فضيلة الشيخ القرضاوي ؛ قد أفتى ومن خلال شاشة قناة الجزيرة القطرية بتحريم الثورة في المملكة العربية السعودية.
 
أخي  إن ما تراه أنت ثورات ؛ لا أراه أنا كذلك ؛ قد يكون انتفاضات أو حروبا تحريرية ،أو قتالا ضد الغريب المستعمر ، ضد الكفار الصليبيين لطردهم ؛ و ليس وراءها بعد ذلك  أي تصور لأي هدف آخر ، وفي حالة وجوده فهو عبارة عن ادعاءات ضبابية ؛ تختفي وراءها جماعات متربصة ؛ تنتظر الفرصة للانقضاض على المكاسب والانقلاب بعد استشهاد المتحمسين .
 
 وهذا عشناه  ،وصدقه الواقع ، بل وما أكثر ما انقلب المنتصرون ليس على الأمة فحسب ،  بل  انقلبوا على رفقائهم في  السلاح أو النضال. هذا بالإضافة إلى أن أغلبية  العرب والمسلمين  الذين خاضوا الحرب في القرن الماضي  ضد الإنجليز؛  والفرنسيين ، والطليان ،  وحالفهم الحظ فتخلفوا  وطالت بهم الحياة بعد من استشهد منهم  رحمه الله - .ومنهم بعض المسلمين من غير العرب  في حينه ؛ ممن كانوا ومازالوا يرفضون الانتساب للعروبة  ؛ ويفضلون الانتساب للإسلام ؛ كالفراعنة والأكراد والبربر الأمازيغ  ؛والأفغان وغيرهم - كانوا يرونها حركات مدافعة  جهادية للعدو الكافر الذي غزا بلادهم وهي بالمصطلح الديني فريضة عين ؛ وباب من أبواب الجنة ؛ وشعار من شعارات الإخوة المسلمين  غايتها حفظ الدين : "الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". ولا علاقة بين مثل هذه الشعارات والثورة ، أي  أن هذه الحركات كان الهدف منها يتحقق في الدنيا بتطهير بلاد المسلمين من رجس الكفار، بالغزو  أي الخروج للقتال ،ومهاجمة الناس في أوطانهم  وتحصيل الغنائم ؛وفرض الجزية؛ وتطبيق شرع الله من منظور المنتصر الفائز بالحكم في الدنيا ، وفي حال الفشل أو الإنهزام يكون الجزاء الفوز بالخلود في الجنة  في  الآخرة  والتمتع بحور العين ، وليس وراء ذلك لا دولة ،  ولا دفاع عن الحريات ، لا للأفراد أو للشعوب  بل قتل لها أو عن أي شيء آخر، وانطلاقا من قول الرسول بـ "إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب..."صحيح مسلم2563 ".
وعليه  فإن المسلم  بحكم تكوينه لا يحمل في ذهنه مفهوما محددا للدولة، فدولة الإسلام قد تكون زاوية  ؛ أو بقعة ضيقة من بقاع الأرض يفرض عليها سيطرته بالسيف وبتطبيق الحدود التي تقررها الشريعة على غير المسلم : الإسلام ؛أو دفع الجزية ؛أو الهجرة ؛ أو القتل . وقد تتمدد فتشمل الكرة الأرضية بكاملها ، فحدودها متغيرة غير ثابتة ، وكذلك انتماءات وأفكار وتصورات وأطاع مواطنيها ومواقفهم ، تتمدد وتتقلص ، وتتسع وتضيق ؛ حسب قوة وضعف المسلمين ،وعلى قدر ما يمتلكون من عناصر القهر والغلبة ؛ وحسب ضعفهم ورغبتهم عن ؛ أو قدرتهم ورغبتهم في الجهاد والفتح ،ونفس الأمر ينطبق على الخليفة أو الأمير في سلطته وسياسته  ؛ فمزاجه هو المبدأ وهو المرجع والمنتهى  ، ولب الاهتمام لدى العربي أو المسلم - بغض النظر عن درجة المنصب الذي يشغله - هو الحكم ؛ وليس إقامة حضارة لم توجد بعد ؛  وقد ينظر  للدولة العصرية  بمكوناتها العلمانية ،  وبمِؤسساتها التشريعية والتنفيذية باعتبارها بدعة  ، تتعارض مع شرع الله  ؛ وتختلف عن الموجودة والمحددة الصفات والخصائص سلفا في الشريعة  ، وفي ذهن المسلم ؛ والتي عرفها أسلافنا وعاشوها ؛ وبلغت منتهى ما يمكنها بلوغه في عهد الدولة العباسية والعثمانية.
والدليل على أن الثورات التي ذكرتها ليست ثورات  ، هو واقع الحال؛ أمام أنظارنا فالجزائر والعراق واليمن وسوريا وليبيا ومصر والسودان هي نتائج الثورات التي ذكرتها .
ويبدو لي أن في هذا القدر كفاية ، وشكرا على تعليقك.
 
 

الخميس، 20 يونيو 2013

شعوب بشعة تحكمها أنظمة أبشع.


شعوب بشعة تحكمها  أنظمة أبشع

 

[إنَّ الَّله َلَيُسلطُ الظَّالِمَ على الظَّالِمِ حتَّى يُهْلِكَ الظَّالِمُ الظَّالِمَ.]

نشرت جريدة الخبر الصادرة يوم الخميس  20جوان 2013 خبرا مفاده أن هناك جمعيات وتنظيمات تدعو الرئيس السابق اليمين زروال للترشح لرئاسة الجمهورية،  لأنه الشخصية الوحيدة الباقية التي أثبتت نظافتها بسلوكها بحيث  لا يمكن لأحد أن يطعن فيها ، فحرك هذا الخبر بعض ما بصدري من شجون ، أهونها ما يتركه- من حسرة- كونُ المرء لا يجد في بلد من 40 مليون نسمة رجلا واحدا يمكن أن يوصف بالنظافة والصدق والنزاهة وهو مطمئن . وهل يمكن لحبة قمح وسط صحراء من الرمل أن تطعم جائعا؟.
والحقيقة المأساوية التي تستشف من هذا الخبر، هي أنه لم تعد توجد في العالم المتحضر، أو ذاك الذي له نصيب من التحضر ، جماعة أو طبقة حاكمة أبشع من الأنظمة والعصابات الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية على اتساعها، وهي أنظمة
و جماعات  فاسدة مفسدة ، متوحشة ، تجبر كل قادر من رعاياها  على الفرار
و المغادرة أن يبادر بذلك فينجو ،  أو يلقى  هلاكه غير مأسوف عليه  ولو على مراكب من قش، أو تجبره على أن يرضخ  لنزواتها ، مكبلا بعجزه فيعيش تحت سطوة إرهابها  موشحا بأسمال المذلة حتي يحمل على النعش ، والغريب أن الرعب وانعدام الأمن والأمان موجود ومتحقق عند الجميع : العصابات الحاكمة ذاتها  كالشعب المسحوق المقموع بأيدي أبنائه، وهي  عصابات مقتنعة بأن ليس لها تحت أقدامها   وطن. ، وبألا علاقة تربطها بالمحكومين الأعداء بالفطرة، أو بالتربية والترويض،  والدليل على ذلك هو كونها تعيش  الاغتراب ، لا تشعر بالأمان ،  وهي مسكونة بالرعب ، الذي يظهر في سلوكها المعيش ، إذ نجدها لا ترتاح إلا إذا قامت قبل كل شيء –وفي أول فرصة تتاح لها – بنهب و بتحويل أكبر ما تقدر عليه من أرصدة إلى ما وراء البحار، تحضيرا وتمهيدا لامتطاء مركب النجاة من المخاطر المتربصة  المتوقعة من  انقلاب الرفاق في العصابة أو ثورة الغاشي المفاجئة ، في حال الصحة. والهرولة إلى مستشفيات الغرب وعياداته الأمنة الموثوقة في حال  الضعف والمرض.
نحن الشعب الوحيد الذي يمكن لأي مجموعة فيه أن تستخدم  ضد اعضائها ، ضد آبائها و أمهاتها ، وضد أبنائها  وبناتها وضد إخوانها وأخواتها ، كل ما يمكن أن يقع بحوزتها من أسلحة مدمرة لم تستعمل حتى في الحربين العالميتين بين دول  أعداء ، تفصل بينها أعراق ، وحضارات وحدود وبحار ومحيطات.
كل منا مستعد لارتكاب أبشع الجرائم في حق أقرب الناس إليه بزهو وانتشاء ، هل رأيتم شعبا يأكل بعضه لحم بعض نيئا مفتخرأ متباهيا ؟؟ ؟. هل رأيتم قادة  السياسة والفكر والدين في أمة يدعون أتباعهم  إلى التقاتل لأن ذلك يرضى الله ؟. هل رأيتم في العالم جيشا يقصف شعبه  : مدنه وقراه ، طرقه وجسوره ومؤسساته  بأسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا؟.
هل رأيتم شعبا يستحل اغتصاب  أمهاته واخواته و بناته وعماته  وخلاته باعتبارهن حريم الكفار يستحل  سبيهن شرعا  وهو يهلل ويكبر؟ وهل ...وهل...وهل. 
 
ولانعدام الثقة العامة والشاملة، المترتبة على انعدام القيم، والفقر ألأخلاقي ،وضياع أبسط مبادئ العقل ، وعدم الاحساس بالانتماء  تجد  الفرد من الأنظمة الحاكمة ،يطير نحو الغرب ، بمجرد شعوره بخطر يتهدده، أو ألم يؤرقه ،  ولا يعود من هناك إلا مسنودا بقوى غربية في حال الصحة والعافية، أو محمولا في صندوق لتقبر رفاته في أرض  ، لم يشعر نحوها بذرة حب طوال حياته ، ولكنها - لغرابتها - تكرم أعداءها ، وتزري  بعشاقها وبالبررة من أبنائها .
وفي مقابل جماعات المافيا العنيدة المتسلطة، تجد راعية بهماء، مهملة متروكة لشأنها  ، تعيش في الهامش،  على حفظ وتصديق ما تسمع ولا تفقه،  يدوس قويهأ  ضعيفها بنفس القدر من الكراهية والحقد ، يأكل القادر فيها العاجز ، دينها الحقيقي هو الكذب والرياء والتضليل  والنفاق الذي، أقامت به تاريخها ، و أسست  عليه وجودها

 أمة  غدا النظيف فيها جوهرة نادرة  عاجزة ، تتفاوت  القبائح و المرتزقة و النتانات  في العمل على حيازتها  لستر بشاعتها ، و للتزين بها كي تمعن في التغطية  والتمويه على السذج ،  وتجعل منها شباك خداع  تواصل به تضليل من قلت لديهم الثقة ، أو تحركت بأعماقهم الشكوك.

ونفس هذه الفئات من الرعاع و الرعية الراعية المقهورة، التي فتك بها توحش الجماعات الحاكمة العنيدة الغبية والمتسلطة ، سرعان ما تتحول هي ذاتها إلى كتائب متوحشة بدورها، تتفنن في صناعة الفناء  بمجرد أن تتوصل  بأدوات تشعرها  بإمكانية  التعبير عن توحشها بلا خوف من العقاب.وليس هناك دليل أصدق من واقع العرب والمسلمين  ، من الهند حتى المحيط الأطلسي، فضحية الأمس هو مجرم اليوم، ومجرم اليوم هو ضحية الغد ؛وهكذا دواليك منذ العصر الجاهلي  وإلى أن يرث الله الأرض.
نحن شعوب متوحشة خلقة، يستحيل أن تتحضر ، حقيقة ينبغي أن تُقررَ بعيدا عن الأكاذيب التي تزخر بها كتب التاريخ الرسمي و المزيف والمصنوع حسب رغبة الامراء والسلاطين والمرتزقة من علماء البلاط  المرتشين  ؛ وأهواء  وإملاءات عصابات الإٍرهاب والمتواطئين معهم في ستر أبشع الجرائم - وهذا بدوره جريمة -.
   إن ما ينطق به التاريخ والواقع يقول : نحن أمة تعيش في انفصام عن الواقع، في  عالم سريالي  عبثي ، لا تحسن إلا القتل، والتفنن في إبداع  ألوان و أساليب الظلم  والنهب، والتدمير والعنف والتخريب  ، والكذب على أبنائنا كي ينشؤوا مثلنا أجيالا متوحشة. نحرص على إيهام  أنفسنا بأنه يمكننا  أن نتطهر من ذلك كله، بالفتاوى ، والأدعية  وبالصوم والصلاة،  و بالحج والزكاة  وكأن الله سبحانه جل وعلا خلق لنا  الكون دون العالم  لنعبث فيه حسب ميولنا المريضة  المتخلفة المشلولة بسموم الخرافات  والترهات المتوارثة.

ولأن أول مراحل العلاج  هي الاعتراف بالمرض،  ثم صحة تشخيصه  ، فعلى كل من له نية  ورغبة ،أو أمل في إمكانية إصلاح هذه  الأمة ، عليه أولا ،  أن يقتنع هو أولا  بأن هذه هي حقيقتنا المشكلة لماهيتنا ، والمميزة لهويتنا ، وأن يسأل نفسه  بعد ذلك ،إن كان قادرا على  مصارحة البقية بها  ؛ ثم إن كان بمقدوره إقناعها    واضعا في اعتباره أنه  قد يلقى على يديها حتفه  .

 

  .الدائرة جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزين...