الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

Le romantisme الرومانسية


الرومانسية Romantisme
تعريف الرومانسية:
 
       مجموعة من الحركات الفنية والأدبية ظهرت في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر على قاعدة الرفض الكلي لكل ما قدسته الكلاسيكية وتقديس كل ما رفضته.فالرومانسية مذهب فني أدبي ونقدي تشكل بفضل جهود الرومانسيين كما عكستها أعمالهم ؛ وتجسدت فيها ثورة روح شمال أوروبا على عقل جنوبها الصارم، ولم تتضح حدود الرومانسية كمذهب متميز إلا بعد مخاض طويل استمر نصف قرن من الجهد حتى اتضحت معالمه وتحددت مع النصف الأول من القرن التاسع عشر  .
ظهور المذهب الرومانسي.
ظهرت بوادر المذهب الرومانسي أول ما ظهرت في انجلترا مع الشاعر الانجليزي يونج(E.young 1683-1765 ) في ديوان أشعاره "الليالي " ثم مع الأديب الإنجليزي صمويل ريشاردسون؛ ثم شاعت في انجلترا وانتقلت منها إلى ألمانيا فكان من روادها هناك مجموعة من الشعراء والكتاب أشهرهم شيلر،وجوته الذي اشتهر بفضل كتابه "آلام فرتر" و الذي أحدث ضجة في أوروبا وتهافت عليه القراء والدارسون.خصائص المذهب الرومانسي: 
المبدأ العام الذي قامت عليه الرومانسية  ؛ هو رفض كل ما هو كلاسيكي ؛  والثورة على جميع القيود الفنية المتوارثة من الآداب الإغريقية،  واللاتينية . فقد غلبت على الرومانسيين نزعة التمرد على هذه القيود التي التزمها الكلاسيكيون، فدعوا إلى التخلص من كل ما يكبل الملكات، ويقيد الفن والأدب، ويجعلهما تقليدا جامدا لما اتخذه اليونان واللاتين من أصول:
 - 1
إبعاد العقل عن كل نشاط له علاقة بالفن ؛  إبداعا ؛ وتذوقا.

 - 2تقديس الحرية الفردية: لتنطلق العبقرية البشرية على سجيتها دون ضابط لها ؛ سوى هدي السليقة والإحساس الطبيعي للفرد، .فتمجيد الحرية الفردية والدعوة إلى التحرر ،  هي غاية الإنسان ، وهي من أهم مقومات الحياة الإنسانية ، ومن أهم عناصر القوة في الشعر ، وأهم مصادر الإبداع
 

 - 3تمجيد العاطفة والخيال :جاءت الرومانسية لتشيد بأدب العاطفة ؛ والحزن  ؛ والألم ؛والخيال ؛ والتمرد الوجداني، والفرار من الواقع، والتخلص من غرور العقل صرامته.

 - 4العودة إلى الأصول: وهي عندهم الأغاني و الأشعار الشعبية  ،وألوان الفلكلور المحلية؛  بكل ما تحمله من بساطة و طيبة؛ وعفوية؛ وسذاجة وبراءة ؛ وطهر ونقاء.

 - 5
تقديس الطبيعة ، فلدى الرومانسيين وفي مذهبهم  كل ما هو طبيعي حقيقي وجميل وطاهر  بالضرورة، وسعادة الإنسان في الفرار إلى أحضان الطبيعة ، و مناجاتها ، والتغني بجمالها وكرمها والتعلم منها ، فهى الأم الأولى التي تمنح دون من ، والمدرسة الأولى .يتعلم فيها الإنسان من المهد إلى اللحد
 
6- الدعوة إلى الشعر الغنائي الوجداني الحر؛ الذي يعبر عن شخصية صاحبه بصدق ؛ فيعكس أحاسيسه ومشاعره.

- 7
الاهتمام بالمواضيع المستمدة من معاناة الطبقات الضعيفة ؛ والمهمشة ؛ وتحسس آلامها وأحزانها ، وأفراحها وآمالها والتعبير عن تطلعاتها. بصدق وعفوية

8- التنويع في الإيقاع ،وتوزيعه على المقاطع ،واستخدام الأوزان والقوافي بحرية في القصيدة الواحدة ، والخروج على القواعد والضوابط الكلاسيكية الموروثة الجامدة من مميزات القصيدة الرومانسية.
9- النزعة الإنسانية :  ترى الرومانسية النزعة الإنسانية كموقف فلسفي وفني  يجب أن يضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل القيم الأخرى  باعتباره قيمة في ذاته ، وهو الذي يمنح كل  عناصر وأشياء الكون الأخرى قيمتها.
 
 10- استعمال الرمز في الشعر ، باعتباره حاملا للكثير من القيم والمعاني ، ومشحون بالعواطف والمشاعر بشكل مكثف ، يغني عن الكثير من القول.

11- الوحدة العضوية : فالنص الشعري وحدة عضوية ، وكيان مستقل متماسك ، سر مضمونه في لغته وبنيتها ، وسرجمال شكله في احتضان اللغة للفكرة أو الشعور وهو ينمو متغذيا من تناسق الكلمات والجمل واتساقها في تلاؤم وعفوية.
 12- بساطة اللغة: الابتعاد عن اللغة المستمدة من المعاجم والكتب القديمة والتراكيب المصنوعة ؛ والجنوح إلى اللغة البسيطة المستمدة من حياة الناس اليومية والمتداولة بينهم؛ الواضحة المفهومة و الخالية من التكلف.
       ومن كبار شعراء الرومانسية:[ فيكتور هيجو، V.Hugo ] و لفريد دي موسيه- Alfred de Musset ]. و [ألفونس لامارتين   Alphonse de Lamartine ]
و[ وليام وورد زوورث-  William Wordsworth]  و[كولردج- Samuel Taylor Coleridge] و [ وبايرون- George Gordon Byron.] و [ وشيلي-Percy Bysshe Shelley ]  و[كيتس- John Keats. ]
هذه هي الرومانسية التي سيطرت على الآداب الأوروبية ردحا من الزمن، وكان لابد لها أن تنهار وتسقط في خضم المذاهب الناشئة كما حدث ـ تماماً ـ للكلاسيكية قبلها.ومن أقطاب المذهب الرومانسي في انجلترا وردز ورث؛ ووكولوريدج و كيتس وبايرون وشيلي . وفي ألمانيا الإخوة جريم Grimm ؛ وجون بول ريختر ، وجوتة goeuth وشيلر؛ في فرنسا ؛ شاتوبريان ؛ وفيكتور هيجو ، ولامارتين .       وقد استمرت الرومانسية في أوروبا؛ هي الإطار والموجه والطابع الغالب على الإنتاج الفني عموما ، والأدبي على وجه الخصوص؛ طوال النصف الأول من القرن لتاسع عشر حتى سنة 1843م ، التاريخ الذي بدأت تظهر فيه الميول تتجه  نحو مذهب جديد هو المذهب الواقعي.الرومانسية في الأدب العربي الحديث:       ترك المذهب الرومانسي آثارا عميقة في الأدب العربي الحديث ، ولهذا الـتأثير سببان هما:أ-الحاجة إلى التجديد والتي فرضت نفسها بقوة على الحياة : السياسية؛  والفكرية ؛ والأدبية بين الحربين العالميتين.
ب- كون المذهب الرومانسي كان يشكل الملاذ الوحيد الذي وجد فيه الشعراء والأدباء آنذاك إطارا يعبرون من خلاله عما يضطرب في صدورهم ؛  ويختلج في جوانحهم ؛ من رغبة في دفع مظالم الاستعمار ؛  والاستبداد ؛ والثورة على القهر والحرمان ؛ و ألتوق إلى الحرية ؛ في عالم يسوده العدل والمساواة.
ظهور الرومانسية في الأدب العربي :
         دخلت الرومانسية إلى الأدب العربي على شكل مذهب نقدي؛ نظري . بفضل كتابين نقديين أولهما أصدره عباس محمود العقاد ؛ وإبراهيم عبد القادر المازني سنة 1921م تحت عنوان "الديوان" والكتاب الثاني أصدره ميخائيل نعيمة تحت عنوان " الغربال" سنة 1922م .        ثم تأسست جمعيات ؛ ومدارس للأدباء؛  والمبدعين في ظل المذهب الرومانسي أهمها.

التيـــــار الغــــــــــــــــربي  .

 

 - الرابطة القلمية (1931-1920 م):


 تأسست بمدينة نيويورك ؛ بالولايات المتحدة الأمريكية ؛ ومن أشهر أعضائها الشاعر الكاتب؛  جبران خليل جبران ؛ والأديب الناقد


ميخائيل نعيمة؛ إلى جانب عدة شعراء آخرين في المهجر.


العصبة الأندلسية: (1933-1953). تأسست على يد الأدباء المهاجرين من  الشام :السوريين واللبنانيين غلى أمريكا الجنوبية والبرازيل على وجه الخصوص ، وقد تأسست العصبة في مدينة سان باولو برئاسة الشاعر ميشال معلوف وكانت تسعى كما توحي به تسميتها إلى تقليد الشعر العربي  القديم والأندلسي على وجه الخصوص وبذلك فهي تنضاف إلى مدرسة البعث والإحياء ضد الرومنسية. وقد عرف إنتاج  الجمعيتين  : الرابطة والعصبة، بالأدب المهجري.وقد عرف أنتاج أعضائها بالأدب المهجري.
 
 
 
التيار الشرقي  المحلي وتمثله -:
مدرسة الديوان، (1921م) : تأسست بمصر ممثلة في زعمائها الثلاثة: عباس محمود العقاد، وعبد القادر المازني ، وعبدا لرحمن شكري  ، وهي مدرسة قامت على الجمع بين النقد النظري ،  والإبداع الفني. وقد بث أعضاؤها روحا جديدة في الشعر العربي؛  متمثلين الأدب الرومانسي الإنجليزي .ورغم اتفاق المدرستين ؛ من حيث الجوهر في الدعوة إلى التجديد ؛ إلا أن بينهما فوارق أبرزها : أن المهجريين يبالغون في ذكر ا لطبيعة ؛ والدعوة إلى الاندماج فيها؛  ويغالون في ذكر الأوطان.  بينما يتساهلون في الدقة اللغوية ؛ ولا يتحرون في مراعاة القواعد النحوية؛  والصرفية .
بينما تركز مدرسة الديوان؛  على القهر الذي يرزح تحته المواطن العربي ؛  في وطنه ؛ والمسلط عليه من قبل الأنظمة الاستبدادية ؛  والاستعمار الغربي والعادات المتحجرة ،وتتشدد في اللغة دون إفراط منفر، وتراعي مقتضياتها في التراكيب ، وبناء الجمل،  وتشكيل النصوص.
مدرسة أبولو ، أو جمعية أبوللو للشعر،. (1932م-1953م).
أسسها كل من أحمد زكي ، وأحمد شوقي الذي تولى رئاستها ؛ وخليل مطران. والمشهور أن هذه الجماعة ضمت تحت لوائها اتجاهات مختلفة؛  مع غلبة الطابع الرومانسي ؛  كما أن أعضاءها والمنتمين إليها كانوا من أقطار عربية مختلفة.وقد نصبت من نفسها مدافعا عن الطبقات الفقيرة ،  والمسحوقة والمهمشة، فحاربت الظلم الفردي والاجتماعي ؛ وتصدت للاستعمار الخارجي؛  وحرضت الشعوب على الثورة في وجهه ؛ و محاربته؛  ودفعه بكل السبل و الوسائل؛  كما دعت إلى التصدي للاستبداد ؛ والفساد السياسي؛  في الداخل وحثت على العدل في إتاحة الفرص أمام الجميع ؛ دون تمييز عرقـــــي أو طبقي.ومن الفنون و الأنواع الأدبية التي اتخذتها الرومانسية العربية قنوات للتعبير: الرواية والشعر، الغنائي الوجداني، وتنتمي روايات يوسف السباعي؛ وإحسان عبد القدوس؛ وعبد الحليم عبد الله إلى الرومانسية.
ومن الشعر الرومانسي الشعر المهجري، وأشعار جماعة أبوللو وأشعار أبي القاسم الشابي بينما حمل مفدي زكريا لواء الرومانسية الثورية بكل جدارة. 
ومن شعراء الرومانسية في مصر:  خليل مطران، و الدكتور إبراهيم ناجي، صاحب دواوين: الطائر الجريح، وليالي القاهرة، ووراء الغمام، وعلي محمود طه في الملاح التائه، وصالح جودت، ، وفي الشام عمر أبو ريشة، وميخائيل نعيمة ؛ وإيليا أبو ماضي.
الخصائص العامة للمذهب الرومنسي العربي
 
-         الجمع بين الثقافة العربية والإنجليزية.
-         الذاتية فالشعر تعبير عن الحياة كما يحسها الشاعر من خلال وجدانه وهو تعبير عن النفس الإنسانية وما يتصل بها من التأملات الفكرية والفلسفية.
-         الدفاع عن الطبقات المسحوقة والمهمشة والتعبير عن آمالها وآلامها
-         غلبة العاطفة والخيال على الإبداع شعرا ونثرا لفضلهما على العقل والواقع.
-         غلبة مسحة الحزن والألم والتشاؤم واليأس على إنتاجهم الشعري والنثري، وقصص الحب الحزينة التي تنتهي دائما بالفراق المأساوي أو الموت.
-          الفرار إلى أحضان الطبيعة والتغني بجمالها والبكاء بين أحضانها واستعمال عناصرها في التعبير.
-         الوحدة العضوية المتمثلة في وحدة الموضوع، ووحدة الجو النفسي ؛ بحيث لا يكون البيت وحدة القصيدة، بل القصيدة  وحدة متماسكة في موضوع واحد، فلا تتعدد الأغراض، ولا تتنافى الأجزاء، بل تأتلف (تتجمع) تحت عنوان للقصيدة، فلا يجوز حذف بيت منها أو نقله من موضعه ؛ لأن ذلك يخل بها.
-         المثالية التطلع إلى المثل العليا والطموح.
-         التأمل في الكون والتعمق في أسـرار الوجـود.
-         الصدق في التعبير عن الذات الفردية والجماعية  والبعد عن المبالغات.
-         التجديد في الموضوعات غير المألوفة في الشعر القديم كشرطي المرور، والفلاح، والممرض  وبائعة الورد.
-         استخدام لغة العصر المتمثلة في الألفاظ المألوفة المتداولة والتراكيب المستقيمة الخالية من التعقيد.
-         عدم الاهتمام بوحدة الوزن والقافية منعاً للملل والدعوة إلى الشعر المرسل
-         الاهتمام بوضع عنوان دال للقصيدة كباب يؤدي ألى الولوج إلى مضامينها ووضع عنوان للديوان ليدل علي الإطار العام الذي يؤطر  تفاعل وحركية محتوياته.
-         استخدام طريقة الحكاية في عرض الأفكار والآمال.
 
 
 

 

 



 



الاثنين، 5 ديسمبر 2011

حديث الصمت

حديث الصمت في منحدر. قصة قصيرة جدا

....وسكت سليمان مستطلعا، بعد أن أمضى فترة سرد فيها همومه الموجعة على مسمع محمد الذي كان ينصت إليه؛ منكس الرأس، مكروب الملامح، والقطيع حولهما يتملى تحاورهما.
رفع محمد رأسه ببطء يغلفه وهن وفتور نحو سليمان وقال:
-
يا سليمان ، بداخلي عالم يعز وصف إحزانه و ضبط مداه ، هم غريب تضجر منه الهموم ، معاناة الروح نواته  ؛ ولحمتة وسداه. لا يسعه العالم ،وليس فيه من يفهمه .
لو أعرتك رأسي- يا سليمان - تضعه مكان رأسك للحظات، لسحت على وجهك جسدا بلا عقل، ولا قلب، ولا بصر ولا مسمع، تضرب في الأرض على غير هدى ، دون زمن ، ولا هدف ولا مرجع .
وعاد الصمت للحديث؛ ونكس كل منهما رأسه يستمع.



الضيف حمراوي

في 28/01/2009

الأحد، 4 ديسمبر 2011

الصعود.


الصعـــود .قصة قصيرة 
كان ساطور يبني بيته الجديد ، وفي نفس الوقت كان يبني مستقبله الزاهي في خياله النشط الصغير، الدنيا لم تعد كما كان يصورها لنا أجدادنا السذج ، الدنيا اكتشف حقيقتها شخص لم ينتبه إليه أجدادنا السذج ، الدنيا كما وصفها هذا العارف تؤخذ غلابا ، وهي حقيقة مفارقة تماما للوهم أو الخطل ، صادقة، سلخها العارف من الواقع الذي كان ينعجن أمام عينيه من دموع الحزانى ورمم الضحايا ، وقد قال أسلافنا الغافلون الذين يحفظون ما يرددون ولا يفقهون: إن الذي لا يعرف الحق والصواب بالنظر والاستدلال ، لا يعد عالمًا ولا سياسيا ، بل لا يعد عاقلا ، وها أنا الآن ساطور اللامع ، العاجن ،الباني المشكل ،أنا الآن في عز قوتي ، وكامل وعي ، شجاع ، مقدام ، متفائل ، ذكي، قرأت عددا من الكتب واعتقد أنني فهمتها أحسن مما فهمها الأساتذة الذين طردوني من الدراسة، أولئك الأغبياء الفاشلين ،وأنا متيقن أن الله قد خصني بنصيب من التفضيل، وبمكانة في هذه الحياة ، وسأوظف كل هذا لأحقق الغلبة ، لن أتردد أو أهاب ، المغامرة أهم الطرق المؤدية إلى النجاح ، أنا الآن لا ينقصني إلا الحظ والوقت .
انتبه فألفى العاملين عبد الوهاب وصابر، اللذين يمدان البناء بالطوب قد وجدا في سرحانه فرصة للراحة ، نظر إليهما نظرة فيها فظاظة كأنما سلبا منه كنوز الدنيا وصرخ :
هيا تحركا ،يجب أن ننهي البناء اليوم أو غدا، وإذا تعبتما فسأعوضكما الآن وفي الحين ..واذهبا.... لقد أصبح البحر يستلذ لحوم الفاشلين .
فكر عبد الوهاب ، رفع بصره ببطء ؛ يبحث عن معنى ساطور في هذا المخلوق ذي القامة القصيرة والكرش البارز ، وهم أن يقول له أنه تافه ، ولكنه عاد ونظر إلى أسفل ، ولزم الصمت لأنه خشي أن يكون نعته له بهذا الوصف فأل خير عليه ؛ فالدنيا - صارت غنيمة للتافهين. غالبته نفسه على قول ما بصدره... لكن أبناءه لن يجدوا ما يفطرون عليه في نهاية هذا ا اليوم القائظ من شهر رمضان،والفقر والبؤس يعشقانه .
ساطور يتمتم : قد يكون أبسط الأحلام هو أعظمها ، قد يكون بابا خلفه الوزارة ، والأمارة والغنى ،و....
ونظر صوب السماء ،يتلقى ، هبات الغلال الموعودة ، الوحش هو من يفوز، ولكي تدق الأعناق لابد أن تتحول ، أن تصير ،أن تصير أثرى ، أقوى ، أعلى، و المجموع هو المعرفة وهو الحق ،هل يفقه هذان الخروفان هذا ؟؟ .
القمع والقهر والانصياع، تشكل خروفا، السلعة الرائجة، يجب أن تعرف كيف تتلقاها وكيف تصرفها، النفاق أن يراك الأقوى خروفا ويجدك كذلك، وأن يراك الضعيف وحشا و يجدك كذلك، وهذه هي كل السياسة، وكل النجاح.
لا أرتدي ثوب السذاجة إلا---- سمات الحمل شباك للسذج ، وسيلة عبور وتخطي للحواجز ، الوفاء سمة الكلاب ،ولكي يفي الكلب لابد أن تكون اللقمة دسمة.
قال عبد الوهاب في سره : أيها التافه ، أنت المأساة والجوع الذي لا يشبع ،.ستقضي حياتك دون أن تحيا ،لأنك منفصل عن ذاتك، أنت مسكون بالخواء ولن تستطيع أن تملك شيئا، أو تبني شيئا أو تسكن شيئا. أنت تطارد أوهاما تبنيها في الفراغ.فيسكنك الفراغ .
ورمي ساطور ببصره خلال حقله الممتد والذي يحيط مسكنه الجديد ، بسنابله العامرة التي تراقص الريح ، تحت زغردات طيور الزاوش النهمة التي ساقها القدر هذا الصباح ،فجاورت الفأر الذي طفق يثقب الأرض ، و يقرط الزرع ، ويهيئ أعشاشا لصغاره ، اجتمع الرهطان ، وقد يأتي الجراد وتجتمع الأرهاط السبع التي أوجب الشرع والعقل والنظر قتلها .
نظر إليها، رآها كسيول بشر جوعى ، تندفع نحو سوق عامر شرعت أبوابه، و أبيحت ساحاته. تحط فوق سيارته الفارهة رباعية الدفع : المفتاح ، مؤشر المقام، عارض الماهية و الهوية على العامة وعلى العارفين ، رخصة المرور وجواز العبور ، يلقي عليها الزاوش اللعين برازه النتن.
تمنى لو طاوعه الزمن ، لو سخرت له الشياطين ، وأطياف الجن ، لساق كل هذه الطيور والفئران ، والجراد ، وجحافل الخنازير ، وقطعان الأرانب ، وطمرها مرة واحدة في قبر واحد لتستريح مزروعاته ، وتزكو وتنمو، فينمو معها، يرتفع يترقى يصبح أوسع سلطة ، و أكثر شهرة.
نظر إلى العامل عبد الوهاب ،فرآه واقفا ، مرهقا مصفر الوجه ، مرتخي الأطراف ،لا يكاد ينتصب، كيسا من النايلون لفحته الحرارة فحال ، راض ، لا يرغب في التحرر من وضعه ، ومع ذلك سيطالب بأجرة اليوم كاملة، يؤازره صابر الأكسل منه.
نظر عبد الوهاب خلسة إلى ساطور فرآه فأرا، يعب حليب الضأن بشراهة، وتساءل أيهما خلق أولا الفأر أم هذا الصنف من البشر؟.
وتصارع عصفوران في الجو، فوق رأس ساطور، وأرسلا زقزقات غاضبة، فيها شكوى، ورفض للظلم ،ودفع للاستعباد ،وتمسك بالحق وبالحرية في العيش والتحليق، واختيار المكان، وقاما بعدة مناورات ،واشتبكا بالأرجل كل منهما يريد أن يؤذي الثاني أو يصرعه ، وهويا متشابكين أمامه في فجوة بين آجورتين في سور البيت الفاخر المأمول ،وفي لمح البصر سد عليهما ساطورمنفذ الخروج ، وهو يصرخ شد ، شد ؛ سد ، سد :
لن تخرجا، لن تعودا إلى إفساد حقلي وتلطيخ سيارتي ، سأدفنكما هنا حيين ،زقزقا ، اصرخا ....
وتمنى لو استطاع أن يحشر العامل عبد الوهاب - كيس البلاستيك- وصاحبه معهما ويسد عليهما.
نظر عبد الوهاب خلسة إلى ساطور، فأبصر في وجهه لوحة للتشفي من العصفورين، تمنى لو اشتبك معه كما فعلا العصفوران ،وسقطا معا في هاوية حتى ولو كان قرارها جهنم.
استمر صوت العصفورين المقبورين يتسرب عبر السور طوال فترة الصباح ، يتغلغل في أعصاب عبد الوهاب، فينتفض جسده رعدة تتلوها رعدة مما زاده إرهاقا على إرهاقه ، وطفق الصداع يطرق جمجمته من كل الجوانب . وتقلصت عروق قفاه ،وغدا الجو المحيط به رماديا ، ثم اسودت دنياه تماما كأنه أصيب بالعمى ،وهبت ريح باردة ما لبث أن اشتدت ،تسوق أمامها كل ما لا جذر له ،وتفجر الرعد مرة واحدة يهدر ويأبى أن يسكت ، فامسك عبد الوهاب بيد صديقه وانصرفا خلسة .
لم يدر ساطور ما الذي يجب أن يفعله بالضبط، فعواصف الخريف هذه لا ضابط لها ، نادى على العاملين ولكنهما كانا قد اختبآ ، صرخ بأعلى صوته يتوعد، سيوف نارية ضخمة تمزق طيات السحاب الأسود الكثيف ، وهدير الرعد وعصف الريح وأصوات المكنوسات المتدافعة غطت على صوته . ، بدأ بتغطية مواد البناء المعرضة للفساد ، وفاجأه السيل عارما جبارا،فاض كوحش رهيب جبار، فامسك عن النداء و ألقى ما بيده ، و أسرع إلى السيارة فتح الباب صعد وجذبه لإغلاقه لكن قوة التيار كانت تعاكسه ،وتدفع الباب في الاتجاه المعاكس ، وكانت أقوى ،ولم يعد يرى مفاتيح السيارة ، وانتبه للخطر المحدق ، انج بنفسك ،انج قبل فوات الأوان، خرج بسرعة من المقصورة وقد تبلل تماما ،وتسلق فاعتلى سقف السيارة ، ثم أمسك بغصن الشجرة الضخم ،وراح كالقرد ينتقل من غصن إلى أخر والريح تتلاعب به، فنسي كل ما لا ينسى، حتى وصل إلى أصلب غصن وأعلى موقع  فأحس بشيء من الأمان.
مسح وجهه وقد صعد، ونظر فرأى أملاكه وهي تهم بالرحيل ؛ تدفعها السيول الجارفة دون وداع . ولم يبق إلا طنينا بأذنيه ؛  يشبه زقزقة العصفورين المطمورين الملعونين.
راح يضرب الجذع بقبضته القوية ويقسم ، يقسم أنه سيصعد: مهارتي , والسيد في القصر، وتحت حكمه البنك يجمع الأرزاق ويوزعها ، إذن فصعودي ممكن ، وسأصعد، وإلى الله يصعد الكلم الطيب .

الضيف حمراوي30/9/2009




  .الدائرة جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزين...