الخميس، 15 أغسطس 2013

الجرة ذات الصدع

الجرة ذات الصدع

كان لسقاء هندي حمال ، جرتان كبيرتان، تتأرجحان على طرفي قطعة خشبية يضعها نيرا على رقبته ، يهد ثقلاهما منكبيه.
و كان في أحدى الجرتين صدع ، وبينما كانت الثانية سليمة ، تحفظ كل ما بداخلها من النبع حتى بيت السيد ، كانت ذات الصدع تضيع نصف ما بداخلها من ماء أثناء الرحلة.
وفي كل يوم، خلال عامين، كان حمال الماء السقاء، لا ينقل إلا جرة ونصفا، في كل رحلة من رحلاته بين النبع وقصر السيد.
كانت الجرة السليمة فخورة ، سعيدة ، متباهية، لأنها كانت تؤدي وظيفتها على أكمل وجه ، من البداية إلى النهاية ، بينما كانت الجرة ذات الصدع ، مكسورة الخاطر حزينة ، لشعورها بالتقصير عن أداء وظيفتها على أكمل وجه، بسبب تضييعها مياها ثمينة تعب صاحبها في حملها، دون أن تمكنه من إيصالها إلى غايتها
وفي نهاية السنتين ، كان الشعور بالذنب قد سكن كل ذرة في الجرة ذات الصدع ، وتيقنت من فشلها ، واستولى عليها اليأس ، فتوجهت إلى حمال الماء وهو يعبئها في النبع قائلة :
 - أشعر بأنني مذنبة ،وأسألك العفو والمغفرة، يا سيدي.
 - لماذا؟ وعلى ماذا؟ سألها الحمال .
 - ما الذي يخجلك؟.
قالت: لم أفلح إلا في حمل نصف ما كان يتوجب علي حمله إلى سيدنا في قصره خلال العامين، بسبب هذا الصدع اللعين، فجعلت جزءا كبيرا من تعبك يذهب هباء، وحرمتك بذلك من الحصول على ثمار جهودك المضنية.
هز قول الجرة ذات الصدع أعماق الحمال، فأجابها بعد إطراق وتدبر.
في طريق عودتنا الآن إلى قصر السيد، أريد منك أن تنظري الأزهار النظرة الآسرة المشرئبة في زهو على طول الدرب الصاعد على الرابية.
وفي طريق العودة، نظرت الجرة ذات الصدع فرأت أزهارا غضة ، نضرة ، رائعة الجمال، تستحم تحت نور الشمس على حافة الدرب ،توزع عطرها هدية للعابرين ، وتمسح عن النفوس الصدئة أدران الشقاء، فكان منظرها ذاك بلسما شفى بعض ما بقلبها من أسى ، وجبر بعض ما به من انكسار. ولكن – وفي نهاية الدرب- عاودها الشعور بالحزن والدونية لأنها كانت قد ضيعت كالعادة نصف ما كان بداخلها من ماء.
قال حمال الماء للجرة ذات الصدع :
 - أرأيت ؟ كانت الأزهار من ناحيتك فقط، ولا شيء تقريبا في الناحية الأخرى الموالية للجرة السليمة. لأنني حين رأيت إصابتك و وتسرب المياه منها نثرت بذور الأزهار على طول حافة الدرب حيث تسقط القطرات التي ترشح منك فترويها على أكمل وجه ، وبفضلك ، استطعت قطف باقات رائعة الجمال ، زينت مائدة السيد طوال عامين كاملين ، وما كان لي لولاك أن أجد أزهارا على هذا القدر من الروعة والنضارة.


ترجمة : الضيف حمراوي  25-03-2012

الخميس، 4 يوليو 2013

الثورات العربية،هل هي ثورات؟.

 
بتاريخ 28/12/2012 كتب الأخ أعيان القيسي يلومني على نص كنت قد ساهمت به في ملتقى المفكرين والسياسيين العرب حول الثورات العربية. وٍرأيت ان أنقل هنا تعليق الأخ الكريم القيسي ، وردي عليه.
 
.    1المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اعيان القيسي مشاهدة المشاركة.
الاخ الكريم : الضيف حمراوي.
 
تحية طيبة
 بداية اني اؤيد ببعض ما تفضلت به ولكنك هنا وقعت بالمحظور كيف تقول لم يثبت أن العرب قاموا بثورة على امداد تاريخهم ، فهم أمة خلقت بعاهة السير إلى الوراء أو السقوط في نفس المكان الا تعرف اولا ان بداية القرن العشرين كان الوطن العربي يرزح تحت الاستعمار الإنكليزي الفرنسي الإيطالي
 ألم تدرس الثورات العربية ضد الإنكليز ومنها في العراق ثورة العشرين ومنها ثورة مصر ضد الاحتلال الفرنسي وسوريا ضد الاحتلال الفرنسي وليبيا ضد الاحتلال الإيطالي
 كيف انتهى الاستعمار وسلطات الانتداب في ذلك الوقت لو لم تكن هناك ثورات شعبية اتمنى ان نكون منصفين بالراي المطروح اخي درسنا في مرحلة الثانوية العامة في العراق  كل ما حدث في الأمة العربية أخي تاريخ الشعب العربي حافل بالثورات العظيمة والتي كسرت وهزمت قوى الامبريالية والصهيونية دمتم بخير.
 
الأخ المحترم أعيان القيسي؛ لا تعتقد أنني من جنس آخر،  ولتعلم أنني عربي قلبا وقالبا أبا عن جد، ولا تعتقد أنني أكره العرب كأفراد ؛ بسبب جنسهم ، كما لك أن تعلم  أنني لا أجد في العروبة ما يجعلني أفتخر بها ، وليكن في علمك أنني أحمل من الآسي لسوء ما كنا؛ ومازلنا ؛ وسنبقى فيه ؛ ما لا يوصف . ولكنني أحمد الله على ما شاء لمن شاء من خلقه ؛  وعلى ما شاء بهم.
 
أخي لي تصوري الخاص عن الثورة ، وهي في نظري، حركة اجتماعية  أو سياسية أو علمية  أو اقتصادية واعية ؛ وهادفة في مجتمع ما ، تؤدي إلى إحداث تغيرات جذرية ، بإزاحة بنى فكرية ؛و سياسية ؛واقتصادية ؛ واجتماعية أصبحت بالية غير ذات جدوى ، تحقق المجتمع أن بقاءَها واستمرارَها قد أصبح يهدد أمنه ، ويشكل خطرا على وجوده ؛ و عبئا عليه لم يعد قادرا على تحمله ، يعيق تطوره ؛ وازدهاره ؛ وبات من الضروري إحلال بدائل محددة وواضحة محلها ، بحيث يظهر الفرق واضحا بين ما قبلها وما بعدها.
أخي رغم إحساسي هذا ؛ فأنا حين أكتب؛ لا أكتب لمن يوافقني ،وفي نفس الوقت لا أكتب لمن يخالفني الرأي ؛   أو يعارضني فيه ، ولكنني أكتب لأعبر عن رؤيتي التي تخصني للحياة ؛ والأحداث ؛ والأشياء ، وفقا لقناعاتي التي كونتها من تجاربي ، ومطالعاتي ، وفقا للمعطيات التي بحوزتي ، وأعتقد أنها صحيحة ،ووفقا لما تجمع لدي من خلال متابعاتي للحركات ( الانقلابات والغزوات السياسية ) العربية ،عبر المسار التاريخي المدون بالشكل الرسمي المصطنع والمصنوع ؛ وبالشكل الموازي أي التاريخ المقموع الممنوع .
 ثم من خلال المصوغات والاجتهادات الشرعية المضطربة ؛المتناقضة والمتعارضة التي ولدت لنا هذا الكم من الانقسامات ؛و المذاهب ؛والفرق العربية والإسلامية؛ بشعاراتها الوهمية؛ والكاذبة التي صاحبتها ومهدت لها الطريق لتسطيح أذهان السذج الطماعين .
 
أعتقد –وأنا لا ألزم أحدا باعتقادي ولا أدعو إليه- أنه ليس في ثقافة العرب ، وليس في الجزء الأكبر من أخلاقهم المتوارثة ما يمكن أن يؤسس لقيام حضارة حقيقية، أو إنتاج ثورة ،فمصطلح ثورة منعدم في اللغة العربية،  ومعنى اللفظة في قواميسهم لا يتعدى الهيجان والاضطراب والكثرة ؛ بل إن الثورة بمعناها الاصطلاحي محرمة لدى المسلمين ؛  كما كانت لدى المسيحيين ؛ باعتبارها بدعة وخروجا عن المألوف المحدود دينيا في غير السياسة .
و في السياسة تعتبر الثورة  عند المسلمين ، مروقا وخروجا عن طاعة الخليفة ؛  أو الحاكم بأمر الله ؛  أوالمفتي أو" آية الله" الذي تجب طاعته حتى وإن كان فاجرا - وهو كذلك غالبا بطبيعته- والخروج عن الحاكم  في شرائعهم سبيل الهلاك في الدنيا ؛ والخسران في الآخرة.  وقد تعلم؛ أخي –وبإمكانك أن تعلم- أن فضيلة الشيخ القرضاوي ؛ قد أفتى ومن خلال شاشة قناة الجزيرة القطرية بتحريم الثورة في المملكة العربية السعودية.
 
أخي  إن ما تراه أنت ثورات ؛ لا أراه أنا كذلك ؛ قد يكون انتفاضات أو حروبا تحريرية ،أو قتالا ضد الغريب المستعمر ، ضد الكفار الصليبيين لطردهم ؛ و ليس وراءها بعد ذلك  أي تصور لأي هدف آخر ، وفي حالة وجوده فهو عبارة عن ادعاءات ضبابية ؛ تختفي وراءها جماعات متربصة ؛ تنتظر الفرصة للانقضاض على المكاسب والانقلاب بعد استشهاد المتحمسين .
 
 وهذا عشناه  ،وصدقه الواقع ، بل وما أكثر ما انقلب المنتصرون ليس على الأمة فحسب ،  بل  انقلبوا على رفقائهم في  السلاح أو النضال. هذا بالإضافة إلى أن أغلبية  العرب والمسلمين  الذين خاضوا الحرب في القرن الماضي  ضد الإنجليز؛  والفرنسيين ، والطليان ،  وحالفهم الحظ فتخلفوا  وطالت بهم الحياة بعد من استشهد منهم  رحمه الله - .ومنهم بعض المسلمين من غير العرب  في حينه ؛ ممن كانوا ومازالوا يرفضون الانتساب للعروبة  ؛ ويفضلون الانتساب للإسلام ؛ كالفراعنة والأكراد والبربر الأمازيغ  ؛والأفغان وغيرهم - كانوا يرونها حركات مدافعة  جهادية للعدو الكافر الذي غزا بلادهم وهي بالمصطلح الديني فريضة عين ؛ وباب من أبواب الجنة ؛ وشعار من شعارات الإخوة المسلمين  غايتها حفظ الدين : "الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". ولا علاقة بين مثل هذه الشعارات والثورة ، أي  أن هذه الحركات كان الهدف منها يتحقق في الدنيا بتطهير بلاد المسلمين من رجس الكفار، بالغزو  أي الخروج للقتال ،ومهاجمة الناس في أوطانهم  وتحصيل الغنائم ؛وفرض الجزية؛ وتطبيق شرع الله من منظور المنتصر الفائز بالحكم في الدنيا ، وفي حال الفشل أو الإنهزام يكون الجزاء الفوز بالخلود في الجنة  في  الآخرة  والتمتع بحور العين ، وليس وراء ذلك لا دولة ،  ولا دفاع عن الحريات ، لا للأفراد أو للشعوب  بل قتل لها أو عن أي شيء آخر، وانطلاقا من قول الرسول بـ "إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب..."صحيح مسلم2563 ".
وعليه  فإن المسلم  بحكم تكوينه لا يحمل في ذهنه مفهوما محددا للدولة، فدولة الإسلام قد تكون زاوية  ؛ أو بقعة ضيقة من بقاع الأرض يفرض عليها سيطرته بالسيف وبتطبيق الحدود التي تقررها الشريعة على غير المسلم : الإسلام ؛أو دفع الجزية ؛أو الهجرة ؛ أو القتل . وقد تتمدد فتشمل الكرة الأرضية بكاملها ، فحدودها متغيرة غير ثابتة ، وكذلك انتماءات وأفكار وتصورات وأطاع مواطنيها ومواقفهم ، تتمدد وتتقلص ، وتتسع وتضيق ؛ حسب قوة وضعف المسلمين ،وعلى قدر ما يمتلكون من عناصر القهر والغلبة ؛ وحسب ضعفهم ورغبتهم عن ؛ أو قدرتهم ورغبتهم في الجهاد والفتح ،ونفس الأمر ينطبق على الخليفة أو الأمير في سلطته وسياسته  ؛ فمزاجه هو المبدأ وهو المرجع والمنتهى  ، ولب الاهتمام لدى العربي أو المسلم - بغض النظر عن درجة المنصب الذي يشغله - هو الحكم ؛ وليس إقامة حضارة لم توجد بعد ؛  وقد ينظر  للدولة العصرية  بمكوناتها العلمانية ،  وبمِؤسساتها التشريعية والتنفيذية باعتبارها بدعة  ، تتعارض مع شرع الله  ؛ وتختلف عن الموجودة والمحددة الصفات والخصائص سلفا في الشريعة  ، وفي ذهن المسلم ؛ والتي عرفها أسلافنا وعاشوها ؛ وبلغت منتهى ما يمكنها بلوغه في عهد الدولة العباسية والعثمانية.
والدليل على أن الثورات التي ذكرتها ليست ثورات  ، هو واقع الحال؛ أمام أنظارنا فالجزائر والعراق واليمن وسوريا وليبيا ومصر والسودان هي نتائج الثورات التي ذكرتها .
ويبدو لي أن في هذا القدر كفاية ، وشكرا على تعليقك.
 
 

الخميس، 20 يونيو 2013

شعوب بشعة تحكمها أنظمة أبشع.


شعوب بشعة تحكمها  أنظمة أبشع

 

[إنَّ الَّله َلَيُسلطُ الظَّالِمَ على الظَّالِمِ حتَّى يُهْلِكَ الظَّالِمُ الظَّالِمَ.]

نشرت جريدة الخبر الصادرة يوم الخميس  20جوان 2013 خبرا مفاده أن هناك جمعيات وتنظيمات تدعو الرئيس السابق اليمين زروال للترشح لرئاسة الجمهورية،  لأنه الشخصية الوحيدة الباقية التي أثبتت نظافتها بسلوكها بحيث  لا يمكن لأحد أن يطعن فيها ، فحرك هذا الخبر بعض ما بصدري من شجون ، أهونها ما يتركه- من حسرة- كونُ المرء لا يجد في بلد من 40 مليون نسمة رجلا واحدا يمكن أن يوصف بالنظافة والصدق والنزاهة وهو مطمئن . وهل يمكن لحبة قمح وسط صحراء من الرمل أن تطعم جائعا؟.
والحقيقة المأساوية التي تستشف من هذا الخبر، هي أنه لم تعد توجد في العالم المتحضر، أو ذاك الذي له نصيب من التحضر ، جماعة أو طبقة حاكمة أبشع من الأنظمة والعصابات الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية على اتساعها، وهي أنظمة
و جماعات  فاسدة مفسدة ، متوحشة ، تجبر كل قادر من رعاياها  على الفرار
و المغادرة أن يبادر بذلك فينجو ،  أو يلقى  هلاكه غير مأسوف عليه  ولو على مراكب من قش، أو تجبره على أن يرضخ  لنزواتها ، مكبلا بعجزه فيعيش تحت سطوة إرهابها  موشحا بأسمال المذلة حتي يحمل على النعش ، والغريب أن الرعب وانعدام الأمن والأمان موجود ومتحقق عند الجميع : العصابات الحاكمة ذاتها  كالشعب المسحوق المقموع بأيدي أبنائه، وهي  عصابات مقتنعة بأن ليس لها تحت أقدامها   وطن. ، وبألا علاقة تربطها بالمحكومين الأعداء بالفطرة، أو بالتربية والترويض،  والدليل على ذلك هو كونها تعيش  الاغتراب ، لا تشعر بالأمان ،  وهي مسكونة بالرعب ، الذي يظهر في سلوكها المعيش ، إذ نجدها لا ترتاح إلا إذا قامت قبل كل شيء –وفي أول فرصة تتاح لها – بنهب و بتحويل أكبر ما تقدر عليه من أرصدة إلى ما وراء البحار، تحضيرا وتمهيدا لامتطاء مركب النجاة من المخاطر المتربصة  المتوقعة من  انقلاب الرفاق في العصابة أو ثورة الغاشي المفاجئة ، في حال الصحة. والهرولة إلى مستشفيات الغرب وعياداته الأمنة الموثوقة في حال  الضعف والمرض.
نحن الشعب الوحيد الذي يمكن لأي مجموعة فيه أن تستخدم  ضد اعضائها ، ضد آبائها و أمهاتها ، وضد أبنائها  وبناتها وضد إخوانها وأخواتها ، كل ما يمكن أن يقع بحوزتها من أسلحة مدمرة لم تستعمل حتى في الحربين العالميتين بين دول  أعداء ، تفصل بينها أعراق ، وحضارات وحدود وبحار ومحيطات.
كل منا مستعد لارتكاب أبشع الجرائم في حق أقرب الناس إليه بزهو وانتشاء ، هل رأيتم شعبا يأكل بعضه لحم بعض نيئا مفتخرأ متباهيا ؟؟ ؟. هل رأيتم قادة  السياسة والفكر والدين في أمة يدعون أتباعهم  إلى التقاتل لأن ذلك يرضى الله ؟. هل رأيتم في العالم جيشا يقصف شعبه  : مدنه وقراه ، طرقه وجسوره ومؤسساته  بأسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليا؟.
هل رأيتم شعبا يستحل اغتصاب  أمهاته واخواته و بناته وعماته  وخلاته باعتبارهن حريم الكفار يستحل  سبيهن شرعا  وهو يهلل ويكبر؟ وهل ...وهل...وهل. 
 
ولانعدام الثقة العامة والشاملة، المترتبة على انعدام القيم، والفقر ألأخلاقي ،وضياع أبسط مبادئ العقل ، وعدم الاحساس بالانتماء  تجد  الفرد من الأنظمة الحاكمة ،يطير نحو الغرب ، بمجرد شعوره بخطر يتهدده، أو ألم يؤرقه ،  ولا يعود من هناك إلا مسنودا بقوى غربية في حال الصحة والعافية، أو محمولا في صندوق لتقبر رفاته في أرض  ، لم يشعر نحوها بذرة حب طوال حياته ، ولكنها - لغرابتها - تكرم أعداءها ، وتزري  بعشاقها وبالبررة من أبنائها .
وفي مقابل جماعات المافيا العنيدة المتسلطة، تجد راعية بهماء، مهملة متروكة لشأنها  ، تعيش في الهامش،  على حفظ وتصديق ما تسمع ولا تفقه،  يدوس قويهأ  ضعيفها بنفس القدر من الكراهية والحقد ، يأكل القادر فيها العاجز ، دينها الحقيقي هو الكذب والرياء والتضليل  والنفاق الذي، أقامت به تاريخها ، و أسست  عليه وجودها

 أمة  غدا النظيف فيها جوهرة نادرة  عاجزة ، تتفاوت  القبائح و المرتزقة و النتانات  في العمل على حيازتها  لستر بشاعتها ، و للتزين بها كي تمعن في التغطية  والتمويه على السذج ،  وتجعل منها شباك خداع  تواصل به تضليل من قلت لديهم الثقة ، أو تحركت بأعماقهم الشكوك.

ونفس هذه الفئات من الرعاع و الرعية الراعية المقهورة، التي فتك بها توحش الجماعات الحاكمة العنيدة الغبية والمتسلطة ، سرعان ما تتحول هي ذاتها إلى كتائب متوحشة بدورها، تتفنن في صناعة الفناء  بمجرد أن تتوصل  بأدوات تشعرها  بإمكانية  التعبير عن توحشها بلا خوف من العقاب.وليس هناك دليل أصدق من واقع العرب والمسلمين  ، من الهند حتى المحيط الأطلسي، فضحية الأمس هو مجرم اليوم، ومجرم اليوم هو ضحية الغد ؛وهكذا دواليك منذ العصر الجاهلي  وإلى أن يرث الله الأرض.
نحن شعوب متوحشة خلقة، يستحيل أن تتحضر ، حقيقة ينبغي أن تُقررَ بعيدا عن الأكاذيب التي تزخر بها كتب التاريخ الرسمي و المزيف والمصنوع حسب رغبة الامراء والسلاطين والمرتزقة من علماء البلاط  المرتشين  ؛ وأهواء  وإملاءات عصابات الإٍرهاب والمتواطئين معهم في ستر أبشع الجرائم - وهذا بدوره جريمة -.
   إن ما ينطق به التاريخ والواقع يقول : نحن أمة تعيش في انفصام عن الواقع، في  عالم سريالي  عبثي ، لا تحسن إلا القتل، والتفنن في إبداع  ألوان و أساليب الظلم  والنهب، والتدمير والعنف والتخريب  ، والكذب على أبنائنا كي ينشؤوا مثلنا أجيالا متوحشة. نحرص على إيهام  أنفسنا بأنه يمكننا  أن نتطهر من ذلك كله، بالفتاوى ، والأدعية  وبالصوم والصلاة،  و بالحج والزكاة  وكأن الله سبحانه جل وعلا خلق لنا  الكون دون العالم  لنعبث فيه حسب ميولنا المريضة  المتخلفة المشلولة بسموم الخرافات  والترهات المتوارثة.

ولأن أول مراحل العلاج  هي الاعتراف بالمرض،  ثم صحة تشخيصه  ، فعلى كل من له نية  ورغبة ،أو أمل في إمكانية إصلاح هذه  الأمة ، عليه أولا ،  أن يقتنع هو أولا  بأن هذه هي حقيقتنا المشكلة لماهيتنا ، والمميزة لهويتنا ، وأن يسأل نفسه  بعد ذلك ،إن كان قادرا على  مصارحة البقية بها  ؛ ثم إن كان بمقدوره إقناعها    واضعا في اعتباره أنه  قد يلقى على يديها حتفه  .

 

الأربعاء، 15 مايو 2013

التلاشي


التلاشي

كان آخر طيف للسعادة قد ودعها  ، وتلاشى عبر فتحات الكوخ الجاثم ،منفردا فوق التلة المنسية ،  حين جاؤوا إليها ليزفوا لها نبأ استشهاد أبنها  ، الذي أخذوه من بين يديها قبل أشهر ، ليصوغوا منه بطلا.

كانت وحيدة، يدثرها حزن متوحش ينهش أعماقها، تجلد الأرض أمامها بعصا في يدها  بطريقة جنائزية رتيبة.

قال كبيرهم : لقد مات شهيدا في سبيل الإسلام و الحق ، والعدل... .وهذه صورته ،أما هو إن شاء الله  فإنه الآن ينعم  بحور العين في قصره بالجنة مع الشهداء و....

قالت من خلال الوحش الذي كان يخنق صوتها ويقطعه:
- هل كنت في القصر معه؟ ومنذ متى فارقته؟
وواصلت : اسمع يا هذا: العينان اللتان تعجزان أن ترياه واقفا أمامي: بروحه وجسده في الوقت الذي تريانكم ، والعينان اللتان تحاولون حملهما على رؤيته مصلوبا في صورة على ورقة، أو تتوهمه في جنة صنتم أنفسكم عن دخولها ، عينان استحقتا عن جدارة أن تنزعا من محجريهما كما ترون  .

وحياة بدونه ، وبدونهما ، خير من حياة بدونه مع رؤيتكم وأمثالكم، وأرجو أن يفصل الله بيني وبينكم في الدنيا ، وفي الآخرة ، بغض النظر عن طبيعة المصير.

لم يرض كلامها كبيرهم ، وكيلَ الله والناطقَ باسمه؛ الذي ابتلع غضبه، وانصرفوا بعد أن قاموا بالمهمة وأدوا الواجب الشرعي، وبعيد انصرافهم تعالى الدخان من الكوخ تلاه لهب ، راح يلحس وجه السماء ،وحل الهدوء...

الضيف حمراوي 13/02/2010

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

سحر والضباع


سحر والضباع

كانت سحر في طفولتها وصباها مدللة، موفورة الصحة، جميلة؛ حيوية إلى حد الشقاوة أحيانا، تقضي يومها سعيدة؛ ترى كل ما حولها مشروع لعبة، من حقها أن تعبث به كيفما شاءت؛ وأينما شاءت، وتمزقه أو تحطمه أو ترميه متى ما شاءت.
وحين نضجت كانت محط الأنظار؛ غير أنها تزوجت زواجا عاديا؛ بزوج متسامح؛ لم يكن في مستوى طموحها وتطلعاتها، ولكنه دون عيوب تشين، هادئ، واسع القلب، تغزوه أحيانا نوبات اكتئاب فينطوي على نفسه؛ لأسبوع؛ أو أسبوعين، وفي الأثناء تفرخ الشكوك في صدر سحر، فتثور؛ وتصرخ؛ وتبكي، وتقيم الدنيا ولا تقعدها دون أن تتحرك شعرة واحدة في رأس زوجها، وكأنه يعيش في عالم آخر.
سمعت سحر بوجود ساحر بارع، يعالج الأمراض المستعصية، ويقرأ الغيب كأنه يراه، ويروض الوحوش الضارية ويتحكم في الجن، فيستدعيه إن شاء وينفيه إن شاء.
جمعت سحر أمرها، وقصدت الساحر، بمجرد أن خرج زوجها قاصد عمله بالمدينة.
جاء دورها، فولجت إلى غرفة الساحر، وحيت، وتربعت بين يديه.
كانت جميلة، ممن يحرك جمالهن كل من رآه، تملاها باشتهاء، وسألها:
- ماذا تريد الجميلة؟
قالت: أريد إصلاح زوجي، ليغدو مركبا سهلا آمنا.
- يضربك ، ويمسح بك البلاط ، ويسحبك من شعرك ؟
قالت: لا
- يمنعك من الخروج ، والتفسح ، وزيارة الأهل والصديقات والجارات؟
قالت: لا.
- يمنعك من اختيار ملابسك ويفرض عليك لباسا معينا أو زيا معينا؟.
قالت: لا بل أنا أضربه، حين يغضبني، بالحذاء والشبشب على رأسه ومؤخرته، ولكنه شديد البنية ويتحمل فلا يظهر عليه أثر الضرب.
- فلم تريدين إذن سحره ؟
قالـت: يا سيدي هادئ وسهل القياد، ولكن أحيانا تنتابه نوبات غضب غير مفهومة ولا مبررة ، وحين يثور؛ يصير مظهره مخيفا مرعبا ، ورغم أنه يهدأ؛ أو يفر من وجهي حين أصرخ في وجهه ؛ إلا أنه كثيرا ما يطوف بخيالي حينئذ أنه يقوم بخنقي فأبقى مريضة لعدة أيام.
- هل أفهم من قولك هذا؛ أنك تغضبين منه لأنه ليس جميلا بما فيه الكفاية؟.
قالت وهي تضحك باحتشام: بل جميل؛ و وسيم، و ودود، وهادئ، ولكن تنتابه أحيانا حالات غضب؛ يصبح فيها كما وصفت لك، وإلا فما علة هذا الحرص عليه ؟.
- لا تنزعجي من أسئلتي ، فهي من صميم إجراءات العلاج ، و المعلومات لهم أكثر مما هي لي ، وأنا مجرد ناقل.
قالت: لا عليك يا سيدي ، ورضاهم دين علينا ، اللهم أرضيهم ورضيهم علينا ، آمين. وقبلت ظهر يدها.
- لقد فزت برضاهم ؛ ولكن في حالة زوجك ، من الصعوبة بمكان ترويضه أكثر مما هو مروض ، إلا بوجود مواد يعز الحصول عليها
قالت ما هي؟.
قام بحركات، وتمتم بتعويذات، وأدار وجهه يمينا وتفل، ثم أدار وجهه يسارا ثم استدار إلى الخلف؛ وتفل ثلاث مرات، وألقى بشىء كان بيده التي أخرجها من عباءته، في كانون جمر كان أمامه، فارتفع الدخان، وضج الجو بروائح بخور؛ تدير الرأس وصرخ: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم.
وفتح كتابا أصفر. وتطلع فيه، ثم زوى عينه اليمنى، وترنم بلحن فيه شيء من الحزن، والرهبة، ورسم بيديه دوائر في الفضاء أعلى رأسه، ثم اهتز جسمه كله برعدة ظاهرة للعيان، كل ذلك بحركات متناسقة؛ ومنسجمة لها أثر غريب. ونظر إلى المرأة وقال:
- إذا أردت ترويض زوجك إلى درجة الاستعباد ، فلابد أن تحضري شعر ضبع رمادي ؛ تنزعينه بيدك من رقبته ، وهو حي ، وألا تلمسه يد أخرى سوى يديك ألجميلتين ، أو يداي.
وباقي ما سنحتاجه بعد ذلك من الخليط موجود، ومتوفر عندي، ولكن عليك أن تدفعي ثمنه مسبقا إذا صح عزمك على الذهاب في المهمة إلى نهايتها.
قالت: ألا يوجد عقار آخر غير هذا؛ تنجز به سحرك؟
- لا
ترددت قليلا فعاجلها: إذا كنت عازمة فلا تترددي، ولا تضييعي الوقت، النتيجة ستكون مضمونة وأكيدة، فلا تضييعي وقتي ...
أدخلت يدها في صدرها، وأخرجت حافظة نقودها، وسحبت منها أربعة أوراق مالية ؛ من ذات الألف دينار ؛ ودفعتها له فأمسكها ، وسرعان ما عاد فألقها في حجرها ، وهو يردد مسرعا : وتري، وتري ، زيدي ورقة ، وتري . الله وتر يحب التوتير.
فزادته ورقة.
قالت: وقد أحست أنه خدرها وأخذ منها مالم تكن ترغب في دفعه بسهولة ، ألا ترى أنك تريد أن تلتهمني الضباع.؟.
- لا تخافي - وكان قد أبصر ما بقي في حافظة نقودها - عليك فقط ؛ أن تدفعي ثمن تعويذة أعدها لك ، بعد منتصف الليل ،، لتحميك من الشر والأشرار ، والمخاطر والأضرار ، في اليابسة والبحار ، أناء الليل وأطراف النهار ، ما دمت في رحلة بحثك عن بغيتك ، على ان تبيتي الليلة هنا ، وتعليقينها مع الفجر.
قالت: لا أستطيع المبيت لأن زوجي لا يعلم أنني جئت لزيارتك، ولا ينبغي له أن يعلم.
- : إذن سأعدها ، وأرسلها إليك ، أو تأتين لأخذها ، وتعلقينها فجر اليوم الموالي.
قالت: وكم أدفع فيها؟
- هات ورقتين ، وسنضبط الحساب في العملية الكبرى.
غادرت وفي طريقها قالت تحدث نفسها: ألا يمكن أن يكون الساحر يرغب في التخلص مني ليخلو له زوجي. فيخطفه غنيمة لإحدى قريباته؟
ثم أليس عارا أن تأكلك الضباع يا سحر، فيقول الناس أن سحر أكلتها الضباع؟ إذا عشت أعيش وأنا أمتطى مركبا آمنا؛ وإذا مت فليقل الناس ما شاءُوا فلن تبلغني أقوالهم في بطون الضباع، ثم انفتح أمامها باب واسع رأت من خلاله الحل.
حين وصلت إلى البيت؛ أعدت غذاءها، وتناولته، وهي تستعيد في خيالها ما ستفعله، ثم غيرت ثيابها، وعمدت إلى جحش لديها، فأوثقته وأحكمت وثاقه، ومرت بخنجر حاد على رقبته فخر على الأرض وأكملت ذبحه، تم قامت بتقطيعه، وعبأت كيسا من لحمه ثم ربطته، وانتظرت حتى استعادت رباطة جأشها.
وحين راحت الشمس تجنح نحو المغيب من خلف قطع السحاب المتدافعة، وبدأ الغسق يتحفز ليملأ المكان، حملت كيس اللحم على ظهرها، وحملت معها بخاخ المخدر، وعصا، مستغلة هبوب رياح غربية، ودمدمة رعود كانت تهدر بعيدا في طرف الأفق، واتجهت متخفية بأشجار الزيتون نحو الكهوف؛ وسط الأحراش؛ على طرف الغابة، وهي تشكو حظها.
كان الجو مثيرا للمشاعر، لكن الثورة التي كانت بصدرها شغلتها عما سواها.
يا لسوء حظك يا سحر؛ كتبت عليك الاقدار أن تعيشي أزهى أيام حياتك بين الضباع؛ ضبع في البيت، وفي الدشرة ضباع، وفي الاحراش والغابات ضباع؛ وأنت تهربين من ضبع إلى أخر.
يا لسوء حظك، فحين فكرت في إصلاح أحوالك لم تجدي عونا سوى الساحر، ولم يجد الساحر دواء آخر سوى شعر الضبع، تأخذينه من رقبته وهو حي، ما أتعسه حظا.
وهل بمقدورك أن تروضي ضباع البشر في البيوت؛ وضباع الحيوان في الأحراش؛ أم ستكونين طعاما سائغا لإحداها؟؟
ثم تساءلت وكأنها تتشاجر مع نفسها: لكن لماذا لا أكون كبقية النساء الخانعات القانعات القابعات؟
لماذا أريد أن أحكم؟
هل سمعتِ حاكما؛ أو رئيسا طرح على نفسه هذا السؤال السخيف؟ طبعا أحكم لأرضي نفسي ؛ وأشبع نزواتي فأسعد .هل يوجد هدف آخر غير ذلك يمكن أن يقتنع به عاقل. طبعا أحكم لأكون أنا الذات وغيري الوسائل والأدوات.
لأبد أن يكون زوج المرأة رهن إشارتها، لابد أن يجتو أمامي، أن يغسل جسدي بكل رقة ورهافة حس حين أكون متعبة، وبقوة تعبر عن خشونة الرجل، حين أكون في قمة نشاطي، وأن يدلك جميع أعضائي راغبا، بشكل يحقق لي كل ما أبغيه من متعة وراحة، وان يخشى غضبي أكثر مما يخشى أي شيء آخر.
اقتربت من الأحراش؛ حيث تكثر مغاور الضباع، فغزتها الرهبة، واجتاحها الخوف، وبدأت تتردد واضطربت مشيتها، وأخذت رجلاها تتخشبان؛ بل وتخشب جلد جسدها بكاملة تصلبت أطرافها، وجف ريقها، فراحت تتحسس أعضاءها وتصفع خديها بكفيها، وتلمست بخاخ الخدر وكأنها تعد سلاحا رادعا لتواجه به ضباع الكون قاطبة، وتسربت رائحة الضبع إلى أنفها، فأدركت أنه على مقربة منها؛ وأن لم تره، واستجمعت شجاعتها من جديد، وقالت: سحر؛ كوني المرأة الحديدية التي تتهشم على صلابتها أنياب كل الضباع.
مسحت المنطقة بنظرة متفحصة، وأخيرا رأته هناك، كان يهم بالوقوف على قائمتيه ليتأكد من وجودها، ويحدد استراتيجية المطاردة، بينما كانت مؤخرته مازالت ملتصقة بالأرض في حالة المتربص الذي لا يرغب في ألا تكتشفه فريسته قبل أن ينقض عليها.
تظاهرت من جهتها بأنها لم تره، بينما كانت تضغط بكل قواها على أسنانها المصطكة من شدة الخوف، ولاحظت أنه شرع في الهرولة حين بدأ يقترب، تفاقم خوفها وشعرت بالبلل يكتسح فخذيها، وبسرعة أخرجت قطع اللحم وألقتها في طريقه، ثم حملت الكيس وجرت هاربة. وصل الضبع حيث كانت قطع اللحم الطازجة ملقاة، فأقعى واحتضنها وراح يلتهمها بنهم، استراحت سحر، وتنفست الصعداء، وعادت إليها الحياة، أنتهى الضبع مما بين يديه، ورفع رأسه نحوها فلوحت له بقطعة أخرى، والقتها وابتعدت.
قالت وهي تنتظر منه إكمال ما بين يديه، لتلقي له قطعة أخرى، وتجري مبتعدة أمامه: ما أقبح صورتك، فأنت لا تقل بشاعة وخسة عن الساحر، لا شيء فيكما في موضعه؛ فلا سير متزن مستقيم، ولا سيرة محمودة، ولا طيب ريح؛ ولا وجه حسن؛ فكلاكما خسيس، ملهوف لا يشبع، ويا ويح من وقع بين أيديكما
أًصبحت سحر والضبع على مقربة من مسكن الساحر، وكان الظلام قد بدأ يلون المنطقة بسواده، وبدأت عينا الضبع تلمعان كمصباحين، ثم ظهرت عيون لامعة عديدة في الخلف مقبلة ‘.
وضعت سحر قطع اللحم القطعة بعد الأخرى في خط أخر قطعة فيه في ساحة بيت الساحر، واندفعت كالسهم فدخلت
عليه وهو منهمك في إعداد الخائط. لزبائنه.
نظر إليها متعجبا نظرة من وقعت بين يديه غنيمة ثمينة لم يكن ينتظرها وقال: ألم تذهبي كما طلبت إليك؟ بدون وبر الضبع لن أستطيع أن أفعل لك شيئا. أم جئت لأخذ التميمة؟
قالت: لا يا سيدي، لكنني لم أعرف من أي مكان في رقبة الضبع بالضبط ينبغي أن أجز الوبر المطلوب، فجئتك بالضبع نفسه، وكان الضبع قد اندفع داخلا إلى ساحة الدار منقضا على القطعة المرمية بجانب الساحر الذي بهت، ثم دخلت ضباع كانت قد جلبتها رائحة اللحم، فقالت المرأة مرعوبة: وأسرته أيضا جاءت معه، جاءت دون أن أدعوها، ولعلك في حاجة إلى وبر كثير.
صرخ الساحر مرعوبا وضاعت منه الطريق، وراح يحاول الوصول إلى السلم والإمساك به.
فقالت سحر: اقرأ عليها مما تحفظ، أنسنها إذا كنت ساحرا حقيقة لا أدعاء.
ندب الساحر: وأخيرا اجتمعت كل المفاسد في بيتي.
وأردفت من وراء شباك الباب الحديدي الذي أوصدته بإحكام: استعمل سحرك بسرعة، ثم واصلت: يبدو أنك لا تختلف عن زوجي المسكين في شيء؛ ويبدو أن الضباع يستحيل استئناسها وهي لن تكف عن دورها في تنظيف البيئة.
ثم أخذت تولول وتلطم خديها وهي تقفز في مكانها: يا لسوء حظك يا سحر، لم تأكلك الضباع ولكنها أكلت حمارك ونقودك، وبقي زوجك على طباعه كما كان.

  .الدائرة جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزين...