الأحد، 12 يوليو 2015

نحن والعالم -8





ذو العقل يشقى في النعيم بعقله     وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

الحرب بين العقل والجنون، والمعرفة والجهل، والوفاء والخيانة والأخيار والأشرار وكافة الثنائيات المتناقضة المعروفة في الكون لا تنتهي،لأن تغلب نقيض يفضي بالضرورة وحتما إلى إفناء نقيضه أو على الأقل تخريبه.

ونحن  من أكثر شعوب الأرض التي تعيش وتستمر في ظل جملة من التناقضات الغريبة التي يستحيل على العالم أن يفهمها ، مثلا يستحيل على مستوى العالم أن يصدر عن  "مسؤول" في هرم السلطة في نظام ما قول يصف فيه طلبة جامعاته  "بالعتاريس" " التيوس" علنا وأمام الملأ مهما كانت المبررات  ، فبماذا  يصف مدرسيهم ، وبماذا كان سيصف العامة لو طلب منه ذلك؟؟؟.

والمصيبة أن الأمر لا  يقتصر على "مسؤول" واحد - مع الاعتذار للكلمة - ففي المدة الأخيرة عرضت علينا وسائل الإعلام ، ومنها  الجرائد التي نسبت  إلى السيد أويحي مدير ديوان رئيس الجمهورية ، ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي أنه قال: " تحيا الأوليغارشية الجزائرية..."- ولم تكمل الجريدة الجملة ، أو أن السيد أويحي لم  يرد أن يكمل الجملة وفق ما يحتمه المنطق؛ وترك الأمر لذوي العقول   وهو "....ويموت الشعب".
قول معقول ومقبول ، لأنه يعبر بصدق عن طبيعة النظام  المستمر في الجزائر . فقط على الجميع أن يدرك أن هناك قانون طبيعي  فوق النوايا والرغبات  والإرادات مثل قانون الزلازل ، لا أحد مهما كان ذكاؤه وقدراته ،  ولا أي مؤسسة مهما كانت سطوتها  أن تتحكم فيه فتحدد مكانه وزمانه وشدته؛  أو تبطل مفعوله والقانون هو " الاستبداد حرب أهلية مدمرة مؤجلة... ولو إلى حين "

 إذن تحيا الأوليغارشية على مذهب حكامنا،  مع العلم أن معظم  القواميس، ومراكز البحوث، ومن لهم علاقة بأنظمة الحكم ، يتفقون على أن الأوليغارشية L'oligarchie   حفنة أو طغمة أو عصابة من الناس (عائلات) ، متباينة الأصول والمعتقدات والأيديولوجيات  والقناعات السياسية ، تستغل ظرفا أو أكثر من الظروف التي يتعرض لها المجتمع فتضعفه، وتمتطي مؤسساته وتسخرها لإشباع نزواتها، وتقوم بالإستيلاء على مقدرات الشعب وثرواته،وتجتمع  حول مبدإ وحيد هو مصالحها الخاصة الأسرية والعائلية : المادية والاجتماعية، فتشكل عصابة  تندمج فيها  قوى عسكرية مع قوى سياسية  وسماسرة، وأصحاب رؤوس أموال منهوبة ، تدعي وتشيع في الناس أنها هي الوحيدة المؤهلة لحكمهم وفي ذهابها دمار للدولة.

 ولحماية مصالحها التي تجتمع حولها ، تتصف الأوليغارشية  في سلوكها بصفات تميزها ، وتجعلها مهابة مرهوبة الجانب، فتظهر مستبِدَّة  عنيفة ، إقصائية ، قمعية ،عنيدة مغامرة ،  مغرورة ، غير مبالية بأوجاع ضحاياها، تحتكر السلطة وأدوات التلسط ،وتحافظ عليها بكل الطرق والوسائل، والحقيقة الشاخصة في الجزائر هي  أن القضاء بكل مكوناته ، والمالية ، والتجارة  و(الصناعة)  والبترول  والموارد كلها في خدمة الأوليغارشية  الجزائرية التي ورثت سلطة المستعمر وأنماط تفكيره وسلوكه، وطوعت ( المؤسسات ) لخدمتها  ولإشباع نزواتها، والدار التي دُفع ثمنُها دماء طاهرة وأرواحا زكية، و خبز الدار  الذي شقي العيال البائس من أجله  كل ذلك اختصت به الأوليغارشية  لها وحدها ؛ بفضل رعاية مدير ديوان رئاسة الجمهورية الأوليغارشي المبدإ والهوى والانتماء - كما يؤكده تصريحه العلني- وأمثاله . فنحن على خلاف الشعار الذي خدعونا به في ظل الجزائر الفرنسية الجديدة المرسوم في وثائقنا بـ "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية  الشعبية " وعلى نقيضه ؛ وعلى  النقيض من تسمية الحزب الذي يرأسه السيد أو يحي الخادعة " التجمع الوطني الديمقراطي " والذي يكون  في جوهره  وحسب تصريح رئيسه  عبارة عن  "تجمع الأوليغارشية الجزائرية" لأن تحية الأوليغارشية الجزائرية  بهذا الشكل العلني والحماسي من رجل في مستوى ومنزلة  وموقع الرجل  هو نوع من الإعلان عن الانتماء إلى هوية جماعة أنانية شريرة عدوانية لا تختلف عن الهويات الإرهابية والمتسلطة التي تشكل مصدرا للعنف والترويع سوى في أسلوب التعبير عن وجودها وقنواته.و ما علينا - نحن شعيب الخديم- إلا أن نردد مع حكامنا ومستشاريهم و تحت ضغط القهر : تحيا الأوليغارشية  ومصالح الأوليغارشية ، فالدار ،وخبز الدار للأوليغارشية ، أحب من أحب وكره من كره . " واللي صار يصير ، واللي صار يصير..."

الاثنين، 22 يونيو 2015

فوق ربوة




نعم أنا غبي ومغفل، وقد ورثت هذا الغباء والغفلة من أجدادي ألذين أحبوا وطنهم ، ومنحوه كل ما يملكون ؛ دون أن يأخذوا منه سوى الألم.

 فأنا أحب وطني ، لأنه وطني   فقط ،   أراه حديقة من حقها المطلق علي أن  أرعاها و أتملى جمالها وهو يزداد توهجا ، ووردة أتعهدها ليطغى شذاها على كل شذا، وطني ليس مكانا للعيش ليس لي بديلا عنه ، بل لا أرضى بديلا عنه ولا عوضا لأنه ذاتي وفي تجريدي من ذاتي وفاتي .

 
-            أعرف تاريخ وطني كما أعرفه، لا كما يقدمه لي صناع الدجل والتزوير، والأفاعي النافثة للسموم، مصاصة الدماء، التي لا ترى العيش عيشا إلا وسط الجثث والأشلاء.   واستعباد الأيتام والإماء ، وهيلولات  والكذب والافتراء .

-            أرى السارق المرتشي ، والناهب المسغوب ، والمنافق الإمعة المرافق ، والمدعي الفاسق ، أحط من الخساسة ، وأنجس من النجاسة ، حتى وإن ارتدى طيالس   القداسة ، وتزي بأزياء   الإمارة أو الولاية ، وزين صدره بنياشين السلطنة و الرياسة ، وحسنت مناقبه الأقلام والمحابر و تشدق بأبلغ الخطب من أعلى المنابر.
 
 -  نعم أقر باني كأسلافي غبي. نعم أقر بأنني مغفل.
 
وأقر أن غير المغفل والحاذق في قواميس السياسة ، وتجار النخاسة، أحسن مني ، وأذكى وأمهر ، يأخذ من الوطن ببراعة  ولا يعطي سوى الوقاحة ، والوطن له حديقة مستباحة، وعاهرة ملحاحة، يجلس على صدرها يرضعها ،.... ، يدوسها ويدوس جديها وأمها وأباها .
 
وعليها أن ترضى ، وتترجاه بألا يهجرها ، و من حقه أن يتمنع ويتدلل،   ليزيد من لوعتها وأساها.
 
  -  أقر أن غير المغفل، والحاذق أحسن مني    أذكى وأمهر.

 وطني يأخذ مني ويعطيه ،  فأزداد لترابه ومائه وسمائه عشقا، يرهقني ويريحه ،  يفقرني   ويغنيه، يكرهني ويدنيه   ،يلفظني نحو البحر ويأويه . فأزداد لترابه ومائه وسمائه عشقا .

 
-        وأقر أن غير المغفل، والحاذق أحسن مني ، أذكى وأمهر.

 كانت خيانته زمن الاستعمار  أفصح  من الشمس في رابعة النهار ،كان يدير طواحين الدمار . واليوم ألقمته ثديك، وفرشت له حضنك ، فغدا الملك  وغدوت المملوك ، وغدونا اليتامى وملك اليمين، يخطب فينا فتلقى عليه باقات الياسمين.

 
-          أقر  و لا حد لإقراراتي؛  إلا أني يا وطني لن آخذ منك سوى نسمة  تكفيني ،ودوما سأعطيك كل جهدي، أبذله نشوان لأنه منك كل  يوم يدنيني ، وسأكره إلى الأبد كل خائن آذاك  وبدلك بسواك ، ومازال  وسيبقى...

الضيف حمراوي 28/05/09

 

الثلاثاء، 9 يونيو 2015

فضيحة سند بكالوريا 2015 للأقسام العلمية


في المدونة أعلاه سبق أن كتبت نصا " الإلتزام في الشعر العربي الحديث والمعاصر" استنكرت فيه الاستهتار الذي يسير به المسؤولون عن  التعليم في الجزائر هذا القطاع الحساس، مقتدين في ذلك  بزملائهم في القطاعات الأخرى ، وقدمت  نموذجا على هذا الاستهتار المجسد من خلال نص الكتاب المقرر ، وكان هذا النموذج على سبيل المثال لا الحسر، ولكن الفساد الذي طال كل المجالات والمؤسسات في الجزائر ، والذي يسهر نظام الأليغارشيا، وقياداته و أتباعه من القائمين على الشأن العام فيه عندنا ، على تجذيره ورعايته ؛ ونشره ؛ وتموينه  بالجهلة والمتهورين والمنحرفين والانتهازيين ، وعديمي الحياء ،  والجحوش والثيران العنيدة، ازداد تطاولا، لينخر أكثر المنظومة التربوية  ، فبالإضافة إلى سوء السندات التعليمية  منهجية ، وشكلا ومضمونا، وسوء تكوين الأساتذة العلمي ، والبيداغوجي، الديداكتيكي ،وجهل وعجز  جل المشرفين على تأطير وتوجيه العملية التربوية التي عينوا على رأسها بدوافع عائلية ؛ وجهوية ؛ و حزبية ؛ وفئوية  ،مع خلو معظمهم الكامل والتام من كل كفاءة تربوية  ، مما أجبرهم  على الفرار من أقسامهم ،  لعجزهم الفاضح  أمام التلاميذ ، فرقوا إلى مناصب المسؤولية بدون أعباء المسؤولية، واتخذوا مناصبهم موارد للترزق السهل الممتنع عن بقية أفراد الشعب.
ومن مظاهر هذا الاستهتار الممقوت الذي ما أنفك يتكرر حتى أصبح سنة في امتحانات بكالوريا الجزائر ؛ ما تعكسه مهزلة النص الأول في امتحان شهادة البكالوريا لسنة 2015 ، الخاص بالأقسام العلمية ، ثم ما صدر بشأنه من تصريحات من المسؤولين ؛" لم يكن لهذا الخطأ تأثير على الموضوع بما أن الأسئلة المطروحة بعد القصيدة كانت مستقلة عن سيرة الشاعر" وهناك أخطاء أخرى في هذه الدورة  أفدح وأقبح وسيرد عليها مسؤولونا بما يشبه هذا  الرد أو بأسوأ  منه ، ومثل هذا التصريح  من المسؤول الأول على القطاع  يعد خطأ  فادحا ثان ينضاف إلى الخطأ الجسيم الذي نحن بصدده ، إذ  يظهر أن المسؤولين عندنا  يعيشون في حالة انقطاع تام عن واقعهم ، وهم ينظرون إلى الشعب بوصفه قطيعا لا عقل له .

السند قدم للممتحنين في شكل بائس ، فيه أخطاء أفرغته من كل خصائصه التقيمية ، وقضت على معظم المقتضيات المنطقية التي تربط بينه  كمعطى؛ وبين الأسئلة المطروحة المتمحورة حوله، وخاصة في قسم البناء الفكري   ،إذ يستحيل تصحيح ما نتج عنها من إجابات  لأن النص كان يقوم على مرسل (نزار قباني ومن يتحدث باسمهم  معتذرا وهاجيا) وبين مرسل إليه (محمود درويش وشعراء الأرض المحتلة) مشيدا بدور مخاطبيه  ومادحا لهم ، مقرا بفضلهم .

وبنسبة النص إلى محمود درويش  ينهد ركن المخاطب المتلقي ، وتصبح القصيدة نوعا من الهذيان أو الهبل ،لا دافع له ؛ولا مسار ،  ولا مقصد  ، ينضاف إلى ذلك كون النص  جاء خاليا من الشكل ، مع تكسير التوزيع الإيقاعي والعروضي الأصلي ، فضاع بذلك الكثير  من خصائصه الجمالية  .

وفيما يلي أقدم السند  بعد تصحيح التحريف الذي وقع فيه بالبتر الفج  غير المبرر في السطر العاشر من المقطع الأول ، وهو البتر الذي كسر نسق المعنى. وبعد تصحيح الخطأ بالتحريف عن طريق التغيير في السطر االتاسع من المقطع الثاني ، طبعا سأقدم القصيدة كما وردت في السند مع شكل الضروري الذي يساعد على تأدية المعنى ، ويسهل  اكتشاف معطياته ،وعلاقات بنيته ، وبعد تغييرات طفيفة تقربه إلى الشكل الذي كان يجب أن يعرض به  على الطلبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 على المترشح أن يختار  أحد الموضوعين التاليين

الموضوع  الأول

قال نزار قباني  

-1-

شعراءَ الأرضِ المحتلة

يا شجرَ الوردِ النابتِ في أحشاءِ الجمرْ

يا مطرًا يسقط رغم الظلم، ورغم القهرْ

نتعلمُ منكم ..

كيف يغني الغارقُ من أعماق البئرْ

نتعلمُ ..

كيف يَسيرُ على قدميه القَبْرْ

نتعلمُ كيف يكونُ الشِّعرْ.

فلدينا قد مات الشعراءُ.. ومات الشِّعْرْ.

و الشَّاعرُ يعمل حُوذِيّاً لأميرِ القصر .

يمسحُ للحاكمِ ِمعطفَهُ

ويصبُ له أقداحَ الخمْر

 

-2-

 

شعراءَ الأرضِ المحتلة

يا ضوءَ الشمس الهاربِ من ثقب الأبوابْ

يا كُلَّ الأسماءِ المحفورةِ في ريش الأهدابْ 

ماذا نُخبرُكم يا أحبابْ ؟

عن أدب النكسةِ ...

شعرِ النكسةِ...

 يا أحبابْ

ما زلنا منذ حزيرانٍ .. نحن الكُتَّابْ

(نَتمَطَّي فوقَ وسائدنا)...

نلهو بالصرفِ و الإعرابْ

يطأ الإرهابُ جَماجِمَنا

ونقبل أقدامَ الإرهابْ

نركب أحصنةً من خشبٍ

ونقاتل أشباحًا..

 وسرابْ.

و ننادي : يا ربَّ  الأربابْ

نحن الضعفاءُ ، و أنت المنتصرُ الغلابْ

نحن الفقراءُ ، و أنت الرزاق الوهابْ

نحن الجبناءُ ، و أنت الغفار التوابْ

 

-3-

 

شعراءَ الأرضِ المحتلة

محمودَ الدرويش  . سلاما

توفيقَ الزِّياد . سلاما

يا فدوى طوقان . سلاما

يا مَن (تَبْرونَ على الأضلاع الأقلاما)

نتعلَّم منكم ....

كيف نفجر في الكلمات الألغاما ..

لو أنَّ الشُّعراءَ لدينا يقفونَ أمام قصائدكم ..

لبدوا ..أقزاما ... أقزاما.


ديوان نزار قباني " شعراء الأرض المحتلة" 1968 ، وهو مدرج ضمن  الأعمال السياسية الكاملة للشاعر، الجزء الثالث ص149 منشورات نزار قباني ص ب 6250 بيروت ، لبنان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليكم الصورة التي عرض بها النص.
 
 
 

وقبل تقديم الأسئلة ، والبحث فيما إذا كانت قد بقيت لها علاقة  بالنص ،  يمكن لمن له عقل أن يتلمس خيوطها ، ليبرز كفاءته في فهم النصوص ، وتحليلها ، وتحديد مكوناتها الفكرية ، ونواظم بنيتها  المنطقية والسياقية و اللغوية والبلاغية للممتحن ،قصد القياس والتقييم ، تجدر الإشارة إلى البتر الفج والبدائي الذي تعرض له النص في السطر العاشر من المقطع الأول.

 فلدينا قد مات الشعراء... ومات الشعر

و الشَّاعرُ يعمل حُوذِيّاً لأميرِ القصر .

 ما كان يليق باللجنة المشرفة على تحضير سند الامتحان  أن ترتكب هذه المجزرة البشعة في حق النص الأصلي ، وفي حق صاحبه ،  وفي حق الشعر  عامة . خاصة  إذا كان من  المعروف لدى أهل اللغة والنقاد ، بل ولدى غالبية الممتحنين الذين تعرفوا من خلال دراسة ضوابط الاتساق والانسجام، وتقنيات تلخيص  أو تقليص النصوص  ،  أن اللفظة ، والعبارة ، والجملة ، تشرف وتشع ؛ وتعكس المشاعر  والحقائق ؛ وتكون محلا للإعجاب والتقدير،  أو تنحط وتخبو ؛ وتكون رمزا للعي والعجز اللغوي ، و موضعا للاستهجان والسخرية ،  ليس بحسب دلالتها ؛ بل بحسب السياق الذي وردت ضمنه  . وبحسب التراتب الأفقي والعمودي الذي وضعت فيه ، وبحسب العلاقات القائمة بينها وبين غيرها من عناصر الكلام  ووفق الروابط  والإحالات التي تحيل إليها أو عليها على المستويين الداخل نصي ، والخارج نصي . وهذا ما ينبغي التركيز عليه عند التصرف في أي نص.

فموت الشعراء في النص  الأصلي  موت مجازي ، معنوي ،  موت المواهب ،وانطفاء الشاعرية،  والقدرة على الإبداع المنبثق من آلام الأمة ، والذي دلل على طبيعة هذا الموت  هو جملة  القرائن "الشعر لدينا درويش ،  يترنح في حلقات الذكر" بينما في سند الامتحان ، وفي غياب القرائن التي حذفت ، يصير الموت المقصود هو  الموت الحقيقي ، ولا شيء يمنع الطالب من فهم السطر على هذا الوجه.

والفجاجة  وانعدام الذوق الذي تصرفت به اللجنة - وأنا أكاد اجزم أن أعضاءها ليسوا من بين الأساتذة الممارسين-  مع النص لتكوين سند الامتحان ،  جعلت من صاحبه مسخرة ، سواء  أأسند بعد ذلك  لمحمود درويش أو لنزار قباني.

ولو ثبت أن نزار قباني قال مثل هذا الهراء  لكان أعجز ، وأغبى شاعر في العصر الحديث والمعاصر ، ولما استحق أن يصنف حتى مع شعراء عصر الإنحطاط ، وهل تعمل الجثة حوذيا ، وهل يقبل أمير القصر ، بل معدم في كوخ  أن تشتغل جثة نتنة في قصره ؛ أو لديه ؟  ألم يجزم  السطر التاسع قبله على وجه التحقيق أن الشعراء قد ماتوا ؟ فكيف قام من بينهم من يشتغل حوذيا في قصر الأمير؟  هل هذا هو الذكاء الذي يقيس به عباقرة التربية  والإستوزار  ، واللجان المختارة المنتقاة عندنا كفاءات الطلبة وذكاءهم ؟؟؟؟

 وليتضح القصد أورد السطر في سياقه الأصلي كما ورد في الديوان.

الشعر لدينا درويش...

  يترنح في حلقات الذكر

 

"و الشاعر يعمل حوذيا " فما هو حكم هذه الواو  هنا، بعد بتر الجملة من سياقها  كما وردة في نص الاختبار؟، هل هي عاطفة  كما وردت في النص الأصلي ؟ام هي استئنافية ؟ أو حالية... ؟؟؟

والمهزلة الثانية جاءت في السطر التاسع من المقطع الثاني :" نَمَتطَّي فوقَ وسائدنا..."إذ عوض الفعل "نتمطى" ، وهو فعل لازم ؛ لا يتعدى إلى المفعول به إلا بواسطة حرف أو ظرف  ، بفعل آخر" نمتطي" وهو فعل متعد بذاته ، هذا من حيث العمل ، وبه يصبح نمتطي فوق وسائدنا ليس من اللغة العربية ، وإنما هو من لغة المسؤولين الجزائريين المحصنين  المتربعين على المناصب الحساسة في الدولة،  والذين يحاسبون غيرهم  ويعاقبونهم ،أما هم ففوق المحاسبة والعقاب.

أما من حيث المعني فيتحول المتكاسل الممدد على الأرض ، خائر القوى ، العاجز عن الجلوس ناهيك عن الوقوف..... فارسا منتصبا فوق مركوبه، متحكما  فيه وفي زمام توجيهه ...

أما من حيث التصوير الجمالي الحامل للرسالة السامية التي يسعى الشاعر الى تبليغها ،فالمصيبة أفدح ، والعيب أقدح. فبعد ان كانت الصورة الفنية رائعة التشكيل ، توحي بأرقى الاحاسيس والمشاعر ، وترسم المفارقات الواضحة بين شعراء العواصم العربية ، عواصم الليالي الحمراء ، والمهرجانات التهريجية ،  والولائم الدسمة التي يكثر فوق وتحت موائدها الفتات الذي يغري شعراء المسح والتمسح والتكسب ، وبين شعراء الأرض المحتلة ، الذين يشكلون أصوار الصد  التي ترد مختلف وأحدث أسلحة الحرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي يوجهها العدو للشعب الفلسطيني ...  ويبقى للصورة طاقات وإشعاع  لا ينضب يتسع ويضيق بحسب اختلاف القراء وقدراتهم ومستوياتهم.

أما بعد عملية الجزر والتشويه الذي تعرضت لهما الصورة ، فالأمر شيء آخر ، صورة بائسة هزلية : شعراء يركبون ظروفا ،  أفواق وسائد ، أي أن هناك وسائد لكل وسادة فوق وتحت ، وكل شاعر لا يركب وسادته ولكنه يركب فوق وسادته ، لماذا؟ الله أعلم. وما وجهته؟ الله أعلم . وما هي دلالة هذه الصورة ؟ الله اعلم . وهل هذه الصورة مدح للراكبين أم ذم؟ الله أعلم.

وإلى جانب هذا فقد  كسر أعضاء اللجنة ، أو القائمون على الطباعة  جهود الشاعر في تنويع  الإيقاع الذي ابتغاه لقصيدته من خلال  توزيع الكلمات المشكلة للقافية  على السطور دون الإخلال بعدد التفاعيل التي فرضها الإطار العروضي الصارم .

وبعد هذا ندرج الإسئلة للنناقش بعد ذلك الإجابات التي تبقى ممكنة للممتحنين ، وإن كان بعد ذلك  بالإمكان تصحيح هذا الامتحان ، باعتباره ميزانا صالحا لقياس الكفاءات النهائية  في اللغة والأدب العربي لطلبة الأقسام العلمية في نهاية طورالتعليم الثانوي

 

ثانيا :

 
 
 
البناء الفكري (12ن) .

 

تستحيل الإجابة عليه بعقلانية باعتباره شعرا لمحمود درويش.

 

و الإجابة الأقرب للعقل ؛  وبموضوعية توجب التصريح بأن الشاعر متناقض ؛  يثبت لشعراء الأرض المحتلة - ومن بينهم الشاعر نفسه- أوصافا : محامد وفضائل ؛  ثم ينفيها ويثبت لهم عكسها.

1-   يخاطب النص شعراء الأرض المحتلة ويخاطب نفسه.

-        وهنا يصعب أو يستحيل تحديد المضمون : ولكن يمكن القول  - من منطلق التعامل مع النص كما هو منسوب إلى محمود درويش- بأنه إشادة الشاعر بشعراء المقاومة في الأرض المحتلة ، وبمواقفهم الصامدة. ثم ينكفئ الشاعر على نفسه  بطريقة متناقضة لينسف كل ما  سبق أن أعلنه ، ويؤكد جازما موت الشعراء والشعر ، ثم ليعلن أنه وزملاءه قد تخلوا عن التزاماتهم ، وجعلوا من فنهم سلعة للتمسح والتكسب، ومطية للركوع عند أحذية الحكام ، واعتماد  الدروشة والأدعية سلاحا للنضال والجهد بهدف  تحرير الأرض المحتلة، واخيرا  ينقلب للمرة الثالثة ليوجه الشاعر السلام لنفسه ولزملائه محييا ، ويعلمهم أنهم مصدرإلهام و منهم يتعلم الشعر الحقيقي، وأنهم حين يقفون أمام أنفسهم يبدون أقزاما ن أقزاما .

-         الدافع : لوثة من جنون. أو يستحيل تحديد الدافع في ظل تضارب هذه الموقف.

ورغم هذا فإن الإجابة لن تستقيم لتضارب أجزاء الخطاب وعناصره و لتعارض الضمائر وتناقض الأخبار والأوصاف والمواقف من جهة ولتعلقها بمتحدث واحد:(متحدث عن ذاته مخبرا وواصفا :هجاء ومدحا)  هو الواصف وهو الموصوف  

2-   تحدث الشاعر عن صنفين من الشعراء : لا تحدث الشاعر عن صنف واحد من الشعراء هم شعراء الارض المحتلة لهم مواقف واوصاف متناقضة .

3-   لا يوجد طرفان ليفضل الشاعر أحدهما إنما هناك صنف واحد هم شعراء الارض المحتلة والشاعر واحد منهم ، صنف متقلب المواقف متناقض الأوصاف ،  فمدحه واشاد به ثم ذمه وهجاه ثم حياه.

4-   اعترف الشاعر ولم يعترف فيستحيل الحكم.

النمط: وصفي إخباري....

. 5-   لخص: هذا السؤال هو مجرد إهدار لوقت الطالب ومجهوده بدون طائل لانه متضن في السؤال الاول وتمت الإجابه عليه . أي أن مطلوب الطلبين واحد ، فالحاج موسى ؛  هو موسى الحاج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أعلم ان هناك من يريد اللجوء إلى أساليب التضليل والمناكفة التي يتميز بها المتحكمون والمرتزقون عندنا  لثبتوا أن الباطل حقا إذا كان ترضية للحاكم وتزيينا لمفاسده، والحق باطل إذ كان فضحا له ولمفاسده.

لكني مقتنع ان الهراء يبقى هراء لدى العقلاء ، حتى وإن التزموا الصمت...

الشاعر لم يعترف بتقصيره  بل أعلن موته وزملاءه وموت الشاعرية لديهم ولكنه  وفي نفس الوقت جعل من نفسه ومن زملائه مرجعا يتعلم  منه الشعر الحقيقي  والالتزام الكامل .

البناء اللغوي (8ن) الإجابة ممكنة.

وعليه فإن هذا الاختبار بالأخطاء المرتكبة فيه: في شكله وفي محتواه  جعلته يخلو من الموضوعية، ومن الصدق والمصداقية،  ومن الثبات ، والتمييز...  وإجمالا  يخلو من أهم خصائص الاختبارات القادرة على قياس تحقق الكفاءات والغايات  المرسومة في المنهاج  وبالتالي لا يقيس شيئا، والقول بغير هذا يكون وجها من  أوجه الغش التي لا تحصى في  (جمهورية) أغلب ما فيها وأهمه مغشوش.

 

 

 

 

الجمعة، 22 مايو 2015

من آثار العقول الراجحة


 
الكون أعظم كتاب منظور يجعل العاقل يؤمن بالله دون مواعظ أو محاضرات ، ويزداد رسوخ إيمان المؤمن  بالخالق بقدر تقدمه في حل ألغاز مظاهر هذا الكون اللامتناهية ، وأولها الألغاز الكامنة بذاته:
فالحس السليم، والشعور المرهف النظيف؛ والعقل الناضج هي التي تجعل الوجود وجودا واضحا؛ ومدركا بدون شكوك. ومقياس عقل المرء أعماله.
ومواطنو الشعوب التي يتبادل أفرادها الحب كعملة للتجارة ؛ وعلامة للثراء وحدهم الأغنياء السعداء.
وتعظم مآسي الشعوب و الأمم على قدر اعتلاء أصحاب النفوس الوضيعة؛ عديمي الحياء ؛ فيها كراسي الحكم والقرار، فالوضيع إذا استقوى أطاح بكل ما هو نبيل ورفيع.
ووحده الزمان الطويل يكشف الإنسان الخير، أما الشرير فيكفي يوم واحد لفضح حقيقته، والعاري من الفضيلة لا يستره شيء، ولا يصلحه شيء لأنه اختار العري بإرادته لا بطبيعته. وشعور بعض الناس بالفخر حين يذلون إخوانهم في الإنسانية دليل على  أن الإنسان الظالم  شيطان ؛ يكشف عن حقيقته حين يمتلك القوة ويأمن العقاب. وفي المقابل لا ينبغي لمن يستمرئ الاستعباد أن يعجب إذا تكاثر ساداته ومذلوه ،فمن تطوع بوضع كرامته تحت أحذية غيره لن يبقى له ما يخسره؛  وما يصنع للإنسان مصيره البائس أو السعيد هو حريته  وسوء  أو حسن اختياره لأفعاله ؛ ولا شيء غيرهما ، ولذلك ، وعلى ذلك ، سن الجزاء والعقاب في كل الشرائع  والحضارات .
من الصعب والمرهق أن تعيش وأنت المبصر الوحيد في بلد كل أهله عميان ؛ وأن تعيش وأنت الصادق الوحيد في مجتمع دينه الأول هو الكذب على الله ،وعلى خلق الله وترجو السعادة . فالمأساوي في الأمل  الذي  يقوم على غير أساس أنه يشبه العشبة المزهرة التي تزرع فوق القبر؛ وهي تسقى بالدموع ؛ تتفتح  بألوان زاهية في مملكة الفناء .
متى؛ وأينما اعتبر التعبير عن الرأي جريمة ؛زال العدل، واختفت المساواة؛ وتلاشت المحبة ،وساد التوحش ، ونمت شجرة الإرهاب الملعونة.
كل ما هو هزيل وبائس ومغشوش يسوق عن طريق الصراخ و مكبرات الصوت ؛  في الأزقة؛ و الأسواق ؛ والمهرجانات ؛ والمساجد ؛ والحوزات ؛ والكنائس ؛ والبيع  وقنوات الدعاية . لأن في غياب الصوت الصارخ؛ وفي أحضان الصمت المقدس؛ تنفتح نوافذ التأمل، و ينشط الفكر، وتشحذ  النزعة النقدية ،وتستعمل أدوات الفحص ، فيصبح الغش والتدليس والمغالطات المنطقية في مهب الريح ؛ويفشل المنتفعون في تسويق سلعهم .
 
وتقدمنا في السن لا يجعلنا أفضل أو أسوأ، بل يجعلنا أصدق مع أنفسنا.   أما العناد فهو مركب متضعضع يمتطيه الجهلة والضالون كي  يمعنوا في الابتعاد عن أرض الحق والنجاة .
والحياة متعة لمن لا يشعر ولا يفكر، ومأساة لمن يشعر، ومهزلة لمن يفكر.

 


الأحد، 3 مايو 2015

إسلام بحيري ضحية لشيوخ داعش

بدأت المناظرة ....
إسلام بحيرى:
بداية وصف إسلام بحيرى، الدين بأنه منتج إنسانى استهلاكى مصاحب للقلب دون الرجوع لأحد، وقال إن الدين ليس علماً.

الحبيب على الجفرى:
إن كنت تقصد بالعالم الاعتقاد نعم فهو ليس علما. لكن مرة ثانية  : الفقه، الحديث ،التفسير مع علوم  القرآن ،  علوم السنة علم او ليست علم؟.

البحيري: تسمى علم  فيمن يعتقد.
 استجمع  حبيب علي الجفري قواه ، واستل سيف منطقه البتار الهتار وقال : كلامك هذا يتعارض مع القرآن ، الله سبحانه وتعالى يقول :  "بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ"، وما تقوله عبث يحول المسألة إلى نحو داعش، وكلامك يتناقض مع قول الله تعالى فى كتابه العزيز : "بل هو آيات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم"، بجانب عدد من الآيات واضحة فى هذا الأمر، كما أن هناك علوم القرآن والتفسير والسنة.

واستدلال الجفري بهذه الآية على أن الدين علم بعد بترها واجتزائها هو مجرد مغالطة ، وتدليس وتسفيه من الفقيه الازهري لرجال الدين، وتكذيب للأحاديث النبوية ، واستغباء للعامة . لأن العلم هنا لا يقصد به" العلم" باعتباره  جهدا عقليا وعضليا واعيا ينصب على دراسة وتحليل ظواهر أو قضايا محددة  في متناول أدوات الإدراك البشري ، تستحث العقل وتتحداه ،وفق منهج واضح ،وشروط محددة ، والتزام بما أدي إليه ذلك من نتائج .
بل يقصد المقصود بكلمة علم في الآية  هو مجرد الإقرار بخبر غيبي ؛ كان يفترض  وجوده آنذاك في صدور اليهود والنصارى وهم المقصودون بـ "الذين أوتوا  العلم"  وفحواه ومقصده الأول والأخير  أن محمدا بن عبد الله رسول من الله للعالمين، وهم يعلمون ذلك. ولكنهم يجحدونه ويخفونه عن الناس.

وإذا كان مثل هذا الخبر البسيط بالغيب علم ؛  فعلى علماء العالم أن يتركوا معاهدهم ، ومراكز البحوث لديهم ، ويستغنوا عنها بجريدة الخبر الجزائرية .
هل يعتبر الدين علما بالمعنى الحقيقي  أو ليس علما؟؟؟
وتأسيسا للمغالطة والتضليل يجزم محمد علي الجفري وشريكه أسامة الأزهري  بأن الدين علم ويستشهد قائلا:
الدين علم ، فالله سبحانه وتعالى يقول : "بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ" ولدينا عدد من الآيات واضحة في هذا الأمر لن استطرد في ذكرها ؛ وربما يقول بقيتها الشيخ أسامة.
ثم يواصل موجها كلامه إلى إسلام بحيري أصالة ومن خلاله إلى المتابعين والعامة: كلامك يرجع إلى مرحلة ثقافية معاصرة، وهى ما بعد الحداثة التي يعشيها العالم حيث اختزلوا مفهوم العلم بالأمر الذى يضبط بالمادة، وجعلوه تجريبيا فقط، وهذه أكبر كذبة ارتكبها أهل الحداثة في العصر الحديث، حيث أوهموا الناس أن العلوم تثبت بالتجربة، بالرغم من أنهم يقلدون سابقيهم، فالبعض يقول إن الكيماوي مضر. وحينما تسأله كيف ؟ يقول:  العالم الكيماوي قال هذا. بالرغم من أنه لم يجرب ذلك، لكنهم يضحكون على أنفسهم، كما أنهم ينتقدون مثلا "البعرة تدل على البعير"، فى حين أنهم يتعاملون من خلالها بعد أن وثقوا في أصحاب الاختصاص ؛ وقلدوهم فيما نقلوا وصدقوهم فيما ادعوه أنه تجربة.
ويواصل في هرطقة مضللة على نفس المنوال.
والحقبقية في الرد علي الجفري هي أن ليس ما يقوله الحداثيون في تعريف العلم هو أكبر كذبة ؛ لأن الأكاذيب والمغالطات التي قدمها الجفري في هذا المقطع فقط  أكبر من كل الأكاذيب المنشورة والمستورة.
فالجفري مبدئيا وفي المنطلق أثبت أنه يفتقر إلى أدنى شروط الأمانة العلمية ؛ سواء في تعامله مع نص الآية وسياقها، أو مع نصوص المفسرين لها ، أو مع المنطق والواقع. وبالتالي فكلامه مجرد هذر كباقي كلام رجال الدين.
لأن العلم المذكور في الآيات المقصود به معرفة "الخبر" مجرد خبر ،ومؤدى هذا الخبر " هو أن الله سيرسل رسولا ، وأن العارفين بهذا الخبر هم "أهل الكتاب "، وأنهم جحدوه وأخفوه حين تبين لهم أن الله قد اصطفى  لرسالته محمدا بن عبد الله ، العربي القريشي من دون اليهود. وهذا ما هو مدون في كل كتب التفاسير المعتمدة ، وعلي الجفري ؛ وشريكه أسامة الأزهري  يعرفانه حق المعرفة ، ولكنهما يدلسان عن قصد ، ويعلمان أن كلمة  العلم هنا  لم يقصد بها أبدا العلم بمعناه الإصطلاحي والمنهجي ، ولم يقصد بها حتى القرآن ، أو ما عرف بعد ذلك بعلوم الدين.
 
قال الطبري:
1-"اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم  ) فقال بعضهم : عنى به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقالوا : معنى الكلام : بل وجود أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا   - صلى الله عليه وسلم - لا يكتب ولا يقرأ ، وأنه أمي ، آيات بينات في صدورهم."
2-" حدثني محمد بن سعد  قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس  قوله : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم  ) قال : كان الله تعالى أنزل في شأن محمد   - صلى الله عليه وسلم - في التوراة والإنجيل لأهل العلم ، وعلمه لهم ، وجعله لهم آية ، فقال لهم : إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا ، ولا يخطه بيمينه ، وهي الآيات البينات . "
3- وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن قوله:( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) بين خبرين من أخبار الله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبرًا عنه، أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل.
4- وقوله:( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ) يقول تعالى ذكره: ما يجحد نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وأدلته، ويُنكر العلم الذي يعلم من كتب الله، التي أنزلها على أنبيائه، ببعث محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ومبعثه إلا الظالمون، يعني: الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله عزّ وجلّ.
ويقول القرطبي في تفسيره للآية "بلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ" (العنكبوت 49) يَعْنِي الْقُرْآنَ ، وبه قطع بأن" الآيات البينات" هي المقصود القرآن ، وليس علوم الدين من فقه وتفسير وحديث و....
 
فمن تريدنا أن نصدق وأن نكذب يا فضيلة الشيخ ؟  أنصدق الرسول ومسلم والبخاري؟ أو نكذب هؤلاء ونصدق حبيب علي الجفري  ومن على شاكلته من الأزهريين أنبياء مصر الجدد الذين يتلقون الوحي في محاريب الازهر؟. وأما الشائع عند علماء الدين الاسلامي كعلم التفسير، وعلم الحديث وو.. فهو علم عند من اقتنع به من رجال الدين المسلمين دون بقية الخلق في العالم، وليس له موضوع ، ولا إجراءات تجريب،  ولا طرق برهنة ، ولا نتائج يمكن التحقق منها؛ وكلها حمالة أوجه  وتسهل قاعدة لمقولة "حيثما كانت المصلحة فثمة شرع الله والسلام ، والأمر في الأول والأخير للفقهاء.
 

وحجة الحبيب علي الجفري  الثانية التي أقامها هكذا اعتباطا ، وكذب بها العالم المتحضر بأسره ؛ وصحح نفسه  ،  بزعمه أن الكيمياء نفسها ليست علما ثابتا بالتجربة لأن - و حسب زعمه المريض دائما - أن الناس لا تعرف عن المواد الكيمائية إلا  ما يخبرها به الكيميائي ، ولا ندري كيف يستقيم هذا الزعم السقيم و معظم القواعد والتراكيب والعلاقات والتفاعلات الكيميائية الأساسية في العالم تدرس نظريا و تقدم وبالتجربة الحسية  تحت الملاحظة والاستنتاج في كل مدارس العالم ، وبوسع من شك أن يتصل بأقرب مدرسة ، أو تكميلية ، أو ثانوية أو معهد أو جامعة  أو مخبر ويـتأكد بالمعاينة مما يريد معرفته. فهل للأزهر أن يقدم لنا وللناس كافة بالتجربة كيف يدوم حمل المرأة  أربع سنوات وأكثر.؟
 
ـ قَالَ عَبَّاد بْن الْعَوَامّ : وَلَدَتْ جَارَة لَنَا لِأَرْبَعِ سِنِينَ غُلَامًا شَعْره إِلَى مَنْكِبَيْهِ , فَمَرَّ بِهِ طَيْر فَقَالَ: هش .

وعن المدد الأكثر من أربع سنين:

1 -  وَرُوِيَ عَنْ مَالِك فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ, وَالْمَشْهُور عَنْهُ خَمْس سِنِينَ ;

 2- وَعَنْ الزُّهْرِيّ سِتّ أوَسَبْع سنين.

3 - وَرُوِيَ عَنْهُ لَا حَدّ لَهُ , وَلَوْ زَادَ عَلَى الْعَشَرَة الْأَعْوَام .

والزهري من رجال البخاري ومسلم.


ثم لوكان "الدين علما" بمعناه الحقيقي  لما وجدنا فيه هذا الاختلاف والتضارب والتناقض المؤدي إلى الشقاق و العداء والتقاتل داخل كل دين وداخل كل مذهب وطائفة في كل دين.
ثانيا: لوكان الدين علما لما احتجنا إلى أنبياء ورسل وكتب سماوية ، تماما كما لم نحتج إلى كتب تأتينا من السماء في الرياضيات والفيزياء  والكيمياء والطب  وعلوم الأرض والفضاء و الفلسفة وما تفرع عنها من علوم إنسانية. وعليه فأنت لست بعالم وتناقش مفهوم العلم.
كلام رجلي الأزهر كله سخافات ، وينم عن الاعتزاز بالجهل ، والاستماتة في تمكين الظلامية والتخلف ، وقمع عقول الناس المتفتحة ، وهما من رجال الأنظمة العربية التي لا تحسن شيئا سوى قمع المخالف وقتله.
على هذا الشكل والنمط من التحريف ، والتدليس والمغالطة التي انتهجها شيخا الأزهر سارت المناظرة حتى النهاية .

إذن فأنتم ؛ و شيوخكم ؛وكل من شابهكم في القدرات ؛و المدارك ؛ والتفكير من أفسد التراث ،  ووضع فيه الكثير الكثير من  الغث الساقط  ؛ وحمى قواعد وأسس الفضائح والجرائم التي أرعبت العالم ؛ وجعلت كل مسلم محل شبهة  ، وأنتم لا تدافعون عن الإسلام إنما  تدافعون عن تفاهاتكم وتفاهات شيوخكم ؛ وأنتم بسلوككم الشاذ والمريض هذا ، وبكتبكم بمحتوياتها اللامعقولة ، وبمناهجكم  اللاإنسانية ، أنتم و شيوخكم  وبكل إفرازاتكم و ومخلفاتكم ، أنتم الأصول والمنابع التي  تنهل منها داعش ، وأنتم من يسخرها بطريقة تعتقدون أنها ذكية ؛ تبعد عنكم الشبهة لخدمة جماعاتكم وأهدافكم ؛ بعيدا عن رقابة كل عقلانية وبدون أي حس أخلاقي او أمانة علمية من يؤسس للفتنة والجريمة. وأنتم من يضع بيد أعداء الإسلام كل الإمكانيات و المبررات والأسلحة للسخرية من كل ما هو إسلامي.

 :والخلاصة 
وبعيدا عن الهرطقة الأزهرية  التي لا معنى لها ؛ ينبغي  الجواب وبصرامة على : هل مثل هذه الأقوال المسماة أحاديث موجودة في كتب  التراث الديني الإسلامي ؛ ومنها الموصوفة بالصحاح بكثرة ،ويحدث بها " العلماء" الشيوخ في المساجد ؛ والمراكز؛ والحوزات " العلمية"   ،ويؤسس عليها الفقهاء أحكامهم الشرعية التي تمس صميم الحياة البشرية أم لا ؟.

وهل هذه الأقوال تتوافق وطبيعة الأشياء ، ومعطيات وقواعد الواقع الفيزيائي والكيمائي والبيولوجي ، والقيم الأخلاقية الإنسانية المشتركة ، وتتلاءم مع أساسيات ومبادئ العقل  ، والفكر، و المنطق البشري أم لا؟.
والحقيقة  الشاخصة هي الجواب بنعم من حيث الوجود وبلا من حيث التوافق والتلاؤم و به تنتهي الهرطقة الأزهرية

  وعليه فمنكم معشر شيوخ الأزهر ،  "حراس المعبد" ، تعلمت القواعد و الدواعش كل الموبقات و الفواحش، وتعلم كل من أقنعه كلام شيخي الأزهر من ذوي العقول المشوهة والأفهام الخربة والنفوس المتعصبة العمياء  .


.

  .الدائرة جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزين...