السبت، 13 أكتوبر 2012

الأدب في عصر الضعف والإنحطاط

 
يمتد عصر الضعف والإنحطاط على مدى خمسة قرون من سنة 656هـ الموافق لـ 1258م تاريخ سقوط بغداد حتى سنة 1213 هـ الموافق 1798م تاريخ حملة نابليون على مصر ذلك ما توافق عليه النقاد ودارسو الأدب فماهي أسباب سقوط بغداد.؟
أسباب سقوط بغداد كثيرة تراكمت عبر مئات السنين، من أهمها:

1- سوء العلاقة بين الخلافة والرعية ؛ فقد كانت الخلافة تعيش لاهية في ترف وبذخ وتبذير ، بعيدا عن الدين  وحدود الشريعة وأحكامها ، في الوقت الذي كانت فيه الرعية  تعاني مشقة  الفقر والحاجة ، وترزح تحت عبْء الخراج والإتاوات ، وعناء الاستبداد؛ والتسلط والظلم .مما أدى إلى كراهية العامة لأولي أمورها، وانعدام الولاء للسلطة المركزية في بغداد ،وامتداداتها في الأقاليم.

 2- فساد وضعف الخليفة المستعصم بالله ومحيطه ، وافتقاره للهيبة، مما نتج عنه استخفاف وزيره مؤيد الدين العلقمي به ، زيادة على الخلاف الذي كان بين وزير الخليفة وقائد الجيش الدويدار الصغير. واختلاف قائد الجيش مع أثباعه الذين شقوا عليه عصا الطاعة فأصبح كل جندي قائد نفسه.

3-  عدم الاستعداد المطلوب لمواجهة التتار بالإنفاق على إعداد الجيش وتدريبه وتسليحه ، بل أنقص الخليفة من مرتبات الجنود وسرح الكثير منهم لتوفير مزيد من المال وكنزه ، وإنفاقه على الملذات ، ومجالس اللهو والمجون. –
4-  ضعف السلطة المركزية في بغداد أدى إلى انفصال الأقاليم والإمارات عنها وزاد في شدة الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة. وخاصة في العراق.

5- تركيبة الجيش الذي كان في معظمه عبارة عن مرتزقة ( مماليك) ، والذين انصرفوا عن القتال ، بل انظم الكثير منهم إلى الجيش المغولي ، وأطلعوه على أسرار الجيش العباسي وأحواله المادية والمعنوية السيئة.وينقسم عصر الضعف والانحطاط إلى فترتين:

1- الفترة الأولى : وعرفت لدى مؤرخي الأدب بعدة أسماء منها ، عصر المماليك ، وعصر الدويلات ، وعصر الحروب الصليبية ، والعصر المغولي ، و يمتد عبر حقبة زمنية تبدأ من 250 من عام 656هـ الموافق 1258م إلى سنة 923هـ الموافق1517م تاريخ استيلاء سليم الفاتح على مصر؛ وأكثر المصطلحات ملاءمة في اعتقادي هو مصطلح " عصر الضعف ".
أولا:عصر الضعف (250 من عام 656هـ الموافق 1258م إلى سنة 923هـ الموافق1517م).
1-1الأوضاع السيايسة والاقتصادية والاجتماعية في عصر الضعف .  وضع المغول أيديهم على دار الخلافة العباسية في بغداد 1258م/ 656هـ،.و ألحقوا الدمار والخراب بكل ما وقعت عليه أيديهم فيها ، فعبثوا بالدماء ، والأعراض والأموال ،وخربوا التراث الفكري والعلمي ، وفي مقدمتها مكتبة "دار الحكمة " وباقي المكتبات ، وهدموا ما صادفهم من عمران ومعالم حضارية، ونشروا الرعب و الفزع والهلع في كل مكان ، فهام كل بغدادي على وجهه يتلو قوله تعالى "يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" ؛ ومن بغداد توجه التتار صوب الشام فاكتسحوا حلب ؛ ودمشق ومدن فلسطين التي أصابها منهم ما أصاب بغداد .
ومن حسن الحظ أنه وقبيل أن يجتاح المغول بغداد "كان المماليك قد أقاموا دولة لهم في مصر، وبسطوا سيطرتهم على الشام والحجاز "[1] وهم الذين تصدوا للمغول في طريقهم إلى مصر سنة 658هـ الموافق لـ 1260 وعلى أيدهم ، وبفضل بسالة جيوشهم و بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ؛ وقائد جيشه الظاهر بيبرس ،تلقى التتار هزيمة ساحقة نكراء في معركة "عين جالوت " ، جعلتهم ينكفئو تاريخ الادب العربي ، عمر فروخ ،دار العلم للملايين ،بيروت لبنان ؛ 1989،ط5 - ج3-ص602ن على أعقابهم مدحورين نحو آسيا الوسطى ولكن دون أن ينهي ذلك تهديدهم الذي استمر حتى وفاة تيمورلنك سنة 1404م .

1-2 هجر الكثير من العلماء والأدباء وطلاب العلم بغداد ،وحلب، ودمشق وباقي المدن العباسية المدمرة نحو الأقاليم العربية والإسلامية التي استعصت على الغزاة ؛ وسَلِمَتْ مِنْ بطشِ المغول والصليبين وفي مقدمتها ؛ الشام ؛ والحجاز؛ ومصر والتي وجد بها الفارون والمهاجرون ملاجئ تأويهم تحت حكم المماليك بالرغم مما كان بين هؤلاء من فتن ومنازعات تضر بالاستقرار و بالأمن والسلم الاجتماعي ومعايش الناس . هذا في المشرق

1-3  أما في المغرب العربي فكانت بداية الهجمات الصليبية متزامنة مع سقوط مدينة طليطلة سنة 478هـ الموافق لـ 1086م ، وتعززت أكثر حين دعا البابا أوربان المسيحيين إلى مساندة الإسبان في حروبهم ضد المسلمين سنة 482الموافق لـ1089م [2] ؛ وحرم على الإسبان مشاركة غيرهم من الأوربيين في الحملات الصليبية على المشرق بقيادة الكنيسة ،
 
 وفي المقابل كلفهم بمهمة دحر المسلمين وطردهم من الأندلس ؛ وكذلك كان الحال؛ فبدت "الصلة وثيقة بين الحروب الصليبية العامة التي كانت تهدف إلى استخلاص بيت المقدس ؛ والمدن المقدسة في فلسطين ، وبين الحروب الصليبية بالمغرب التي كانت تهدف إلى استرجاع اسبانيا إلى حظيرة النصرانية من
 
جهة ؛ وإلى محاربة الإسلام؛ ومحاولة القضاء عليه من جهة أخرى."ص193[3] وتمكن الصليبيون في الغرب من إحراز النصر الذي عجزوا عن تحقيقه في المشرق؛ وخاصة بعد سقوط دولة الموحدين سنة668هـ الموافق 1269م وهو الحدث الذي أغرى الصليبين وشجعهم أكثر وحفزهم على حشد كل ما يمكنهم من قوى وموارد لطرد العرب والمسلمين من الأندلس وبصفة نهائية وقد تحقق لهم ذلك في الثاني من شهر ربيع الأول، لسنة 897 هـ الموافق 2 من يناير سنة 1492 م ؛"ولم تأت سنة 1520 حتى كان كل السحل الغربي
للمغرب الاقصى خاضعا لحكم البرتقيز(البرتغال) وتحت سيطرة حصونهم"[4].
 1-4  استنزف الاجتياح المغولي المتوحش ، والتصدي للحملات الصليبية المتتالية والطويلة في الشرق والغرب قدرات الناس ؛ وأنهك مواردهم ، وانضاف ذلك كله إلى أعباء الخلافات والمنازعات والحروب؛ والاضطرابات المحلية التي كانت سائدة ومستمرة بين سلاطين وأمراء الأقاليم المتنافرة المتناحرة حتى بين المماليك أنفسهم داخل مصر ذاتها، فلم تتحسن أوضاع الناس بعد انكفاء المغول يجرون أذيال الهزيمة ؛ واندحار الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي ،بل راح تدهور الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية يزداد سوءا ، يوما بعد يوم ؛ وعاما بعد عام ، فتعاظمت الكوارث الطبيعة من فيضانات وسيول غامرة جارفة ، تتلوها فترات قحط وجفاف مدمرة ، وانتشرت الأوبئة وعلى رأسها الطاعون ، وعزت المكاسب وفحش الغلاء ؛ فعم الفقر والفاقة ، وتوسعت الفجوة بين الطبقات ، وطالت المظالم جماهير العامة، " و في عصر المماليك كثرت الخلافات والحركات الهدامة وما يتبع ذلك كله من انتشار الأوهام والبدع ومن نشوب المنازعات"[5] .

 أما في المغرب فيبدأ عصر الضعف بسقوط دولة الموحدين سنة 1269م - كما ذهب إليه مالك بن نبي تؤيده في ذلك الشواهد والأدلة التاريخية والتي خلفتها دويلات ضعيفة وهي الدولة الحفصية ؛ والزيانية ؛ والمرينية . بدأت وجودها متدافعة متصارعة متقاتلة فيما بينها وأنهته كذلك . ومع مطلع القرن السادس عشر الميلادي استغل الإسبان انهيار حكم الزيانيين في تلمسان ؛ ووهن الدولة الحفصية بتونس فاستولوا بقيادة فرديناد على معظم الثغور والمدن الساحلية المهمة في المغرب والجزائر وتونس بين سنوات 910هـ/1505م و917هـ/1511م واستمرت سيطرتهم عليها حتى سنة 1516م حيث استعاد خير الدين وبابا عروج الجزائر العاصمة من الإسبان وجعلاها قاعدة لنشاطهما وجهادهما، ومدافعة الإسبان والأوربيين في غرب البحر المتوسط

2- 1 الفترة الثانية : فترة حكم الأتراك العثمانيين مشرقا ومغربا ، وتبدأ من سنة 923هـ الموافق1517م ،تاريح حملة سليم الفاتح على الشام إلى سنة 1212هـ الموافق لـ 1798م تاريخ حملة نابليون بونابرت على مصر وهو ما يعرف بـ "عصر الانحطاط" . وسنعرض فيما يلي لكل فتة على حدة.

2-2  الحياة الفكرية والثقافية والأدبية في عصر الضعف
في هذا العصر تميزت الحياة الفكرية والثقافية والأدبية بمجموعة من الخصائص والمميزات يمكن إجمالها فيما يلي:
أ‌- بشكل عام اتصفت الفترة الأولى من عصر الضعف باحترام المماليك للغة العربية ،التي حفظوا لها مكانتها؛ وصانوا هيبتها من خلال اتخاذها" لغة رسمية في دواوين الدولة...وعلى رأسها ديوان الإنشاء... الذي كان يختار للعمل فيه أبرع أهل اللغة والأدب والكتابة"[6] ونفس الفضل يعترف لهم به إزاء العلماء؛ ورجال الدين الوافدين من بغداد، والبصرة؛ وحلب وغيرها "وتعظيمهم ورعايتهم، ومشاورتهم في أمورهم العليا، واختيار أَصْلَحَهم لولاية القضاء والتعليم ونحوهما."[7] ص 10 "وقد كان ذلك سببا في رواج العربية، وفي رواج الفصحى داخل الدواوين، وبخاصة في كتابة المراسلات والوثائق العليا، وسببا في ظهور طبقات ممتازة من رجال اللغة والأدب والإنشاء"[8] وهذا أعطى أفضلية للنثر والناثرين على الشعر والشعراء. وخاصة في الكتابة الديوانية ،والتدوين.


وفي ما يتعلق بمجال العلم والأدب والثقافة في المغرب العربي؛ فإن الكتب تذكر أن الحفصيين بتونس ، والزيانيين بتلمسان والمرينيين بالمغرب أسسوا بعض المدارس ، والتي كان ينفق عليها في الغالب من مداخيل أملاك وقفية تابعة لها تبرع بها أهل البر والإحسان ، ولكن لم تكن من حيث الكثرة والمستوى على قدر حاجة المجتمع ،و أن الذي سد العجز ،وغطى الحاجة هي الزوايا التي بدأت تتكاثر مع بداية القرن الثامن الهجري ،يؤمها طلاب العلم من كل حدب وصوب، ومن مختلف طبقات وأعراق المجتمع ؛ وازداد نموها وانتشارها مع مرور الزمن وتمحور التعليم فيها حول العلوم الدينية واللغوية ،بالإضافة إلى الزهد والتصوف وبمرور الوقت "تحول كثيرمنها- وخاصة في المدن الجزائرية-إلى ما يشبه مدارس عالية ؛وكان كثير من التلامذة يقصدها من الأماكن لقريبة البعيدة ، وكما كانت تعنى بتعليم الناشئة كانت تعنى بتنوير العامة ،وكثرت كثرة مفرطة منذ القرن العاشر " شوقي ضيف ص80


2-3   قلة الدواعي والأسباب الدافعة إلى قول الشعر : قَلَّتْ في هذا العصر دواعي الشعر عما كانت عليه في العصور السابقة على الرغم مما سبق ذكره ؛ ذلك لأن معظم ما قام به سلاطين المماليك ووزراؤهم لم يكن حبا في اللغة العربية وآدابها ، وإنما كان نزولا عند مقتضيات السياسة وإكراهاتها ؛وفي مقدمتها استرضاء الشعب العربي المسلم الذي يحكمونه، واستمالة رجال الدين للاستعانة بسطوتهم الواسعة التي كانوا يتمتعون بها لدى العامة في تثبيت أركان ملكهم، خصوصا وأن عامة الناس ومعظم السلاطين على وعي تام بحقيقة كونهم زنوج ؛مماليك ، ورقيق ؛ جلبوا إلى مصر من إفريقيا عن طريق التجارة ؛ و نشّئوا تنشئة عسكرية فغلب على طباعهم الميل إلى الخشونة والصلف ؛لا يتقنون العربية ، ويصعب عليهم إدراك معاني الشعر وعناصر الجمال فيه وبالتالي تذوقه فـ" هم أعاجم عن العربية فليسوا إذن على استعداد فطري للإنصات إلى شعرائها والعطف عليهم، وتوجيه الدعوة إليهم ،ليكرروا بين أيديهم ما سبق لهم تكراره في عصور منصرمة من تصاوير ملفقة ، وتهاويل موهومة، وعواطف مفتعلة، ومعاني يخترعها الوهم والخيال، وليس من ورائها جدوى ولا طائل عملي؛ وأنهم لا يقدرون حق قدره ،ما يورده الشعراء من مجازات طريفة ، واستعارات وتشبيهات رائعة ،ومعاني مولدة مبتكرة .ص60."[9]

2-4  تنافس بعض السلاطين والأمراء والوزراء في إغراء العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء ؛إن كون المماليك أعاجم لم يمنعهم من السعي إلى إضفاء الصبغة العربية الإسلامية على مظاهر ملكهم ، من خلال سلوك ما ألف ملوك الدولة العباسية سلوكه كتقريب العلماء والشعراء وجلب أكبر عدد منهم و أشهرهم إلى بلاط السلطنة او الإمارة لتزيين المجالس السلطانية والأميرية، و التفاخر بما يلقونه من خطب وينشدونه من مدائح ،و كل يطمع في تحقيق بغيته :

 فالسلاطين والأمراء من المماليك يرغبون في توظيف الادباء والشعراء كوسائل إعلام دعائية تنشئ و تنشر وتذيع قصائد المدح والتمجيد والإشادة بمآثرهم الحاضرة ، ومعاركهم الجهادية في حماية الدين والأوطان، بشجاعة وحنكة أفتقدها الناس لدى ملوكهم وقاداتهم العرب و تغطي على وضاعة أصولهم ، وقلة شأنهم في ماضيهم ،وترفع صيتهم ، وتسمو بمقاماتهم على مقامات نظرائهم ؛ وخصومهم ؛ ومنافسيهم ، وتقوي إعجاب الرعية بهم و تمتن ولاءها لهم .

ورجال العلم والأدب يسعون من جهتهم إلى تحسين أوضاعهم المادية والمعيشية ،وتعزيز مراكزهم الاجتماعية بما يحصلونه وينالونه من عطايا وهبات ومكافآت .

2-5  وفرة المساجد ،والمدارس والزوايا ووالكتاتيب رغم ان المماليك كانوا عجما من أصول زنجية إفريقية إلّا أنَّ صِدقَ عقيدتهم الدينية جعلتهم يَحْتَفُونَ باللغةِ العربيةِ ،ويُولُونها ما تستحق "من عناية ورعاية واهتمام باعتبارها لُغَةَ القرآنِ الكريم ،وهي جديرة "بأن تكون لغة السياسة والإدراة والعلم"[10] و"كان-للمماليك- عناية بوجوه الحضارة ونشر العلم"[11] ،فأنشأوا عددا كبيرا من المدارس في جميع أنحاء البلاد ، وفتحوا –أبوابها- أمام جميع الراغبين في الاستفادة، يأتون إليها ليستمعوا إلى ما يلقى في حلقاتها على غير نظام مألوف "[12] . وجلبوا لها الحفاظ  و المعلمين، تعاون على ذلك رجال السلطة، وأصحاب الفضل من الأثرياء

1-نظام التعليم: 


كانت الصبغة الغالبة على التعليم و طرقه في مدارس هذا العصر هي الصبغة الفوضوية ؛فالدراسة بلا ضوابط ؛ و في غياب القوانين التنظيمة ، والطرائق الواضحة ، مع انعدام المناهج والأهداف والغايات المحددة ، والجمع بين علوم شتى، في مقدمتها تحفيظ القرآن ،والحديث، والعلوم الدينية ، من فقه ،وتفسير، وسير، ،وعلوم اللغة وآدابها ، والرياضيات، والفلك، والتاريخ والجغرافيا، والحساب والجبر والهندسة، والطب والموسيقى.
ازدهار حركة الجمع والتأليف:
أحس العلماء والأدباء في مصر، والشام ؛ والحجاز، والمغرب العربي بفداحة الخراب الفظيع الذي ألحقه الغزو المغولي التتاري ، والنهب الصليبي لذخائر العلوم والآداب ونفائسها ،ولمصادر الثقافة العربية الإسلامية ؛ وما نجم عن ذلك من فراغ علمي رهيب ؛ وأضرار لا تجبر ؛ كما أحسوا بثقل المسؤولية الأخلاقية ،والعلمية والدينية والتاريخية الملقاة على عاتقهم في جمع ما بقي عالقا بالصدور؛ من آثار استعصت على عوامل الفناء، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحفظه من الضياع، خاصة بعد أن وفر لهم المماليك الظروف المساعدة من استقرار؛ وأمن ودعة ، فبادروا إلى ذلك وأقبلوا عليه بالتدريس والخطابة ، وبالكتابة والتدوين : جمعا ، وتصنيفا ، وشرحا وتعليقا ،وغيرها من ألوان النشاط، فانعكس ذلك كله في كثرة التآليف التي تميز بها هذا العصر، الذي عرف بعصر الموسوعات.

ومن أصحاب الموسوعات المشهورة التي ظهرت في هذه الحقبة ابن منظور(ت 711هـ /1311م ) صاحب كتاب معجم "لسان العرب" والنويري ( ت 733هـ/ 1332م ) صاحب كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب ؛ وزكريا محمد القزويني(ت 682هـ/1283م) صاحب كتاب "عجائب المخلوقات" وغيرهم كثير .
خصائص الأدب في هذا العصر .
ضعف الشعر : تميزت المرحلة الأولي من عصر الضعف بكثرة الشعراء لكثرة دواعي الشعر وبواعثه ، ولكن مع ضعف مستواه ، بالقياس إلى مستوى الأدب في العصور السابقة ، سواء أكان هذا الضعف في المضامين أوفي النواحي الفنية الجمالية ، والمعاني ، والصور، وفي القضايا المطروحة ومناهج المعالجة وأغراض الشعر المألوفة الموروثة من فخر، ومدح، وغزل ،وهجاء ووصف، وشكوى وما إليها وجريا على نفس السنن والقواعد المتعارف عليها من قبل دون تجديد.، فغلبة التقليد والاجترار لمواضيع مطروقة موروثة بادية هذا قبل أن ينحط مستواه إلى الحضيض بعد أن كسد سوقه ويئس المتكسبون منه والمرتزقون به ،فانصرفوا إلى طلب الرزق من طرق الحرف والمهن الأخرى وانشغلوا عنه بهموم الحياة، ومطالبها المتزايدة ،ولم يعد لهم من الوقت ما يكفيهم لنظمه أو صناعته و تنقيحه وخير من عبر عن هذا الوضع علي بن سودون اليشبغاوي ( ت868هـ) حين قال معتذرا للقارئ عما قد يصادفه من ضعف او أخطاء في كتابه (نزهة النفوس ومضحك العبوس)"... فأنَّى ينجو من عثرات ما يهذي به، ومتى يظفر بتنقيح الكلام وتهذيبه؛ مَنْ تضيعُ منه الأوقاتُ في تحصيل الأقوات، ويمنعه الاكتسابُ من أنْ ينظرَ في كتاب"[13]

في الحقبة الثانية (1617م-1798م)حين أصبح الفخر يدور حول ما اقتناه الشاعر او الممدوح من بيوت أو خدم وحشم أو دواب، وصار الهجاء ينصب على البعوض والفْئران والصراصير وقس على هذا في مختلف الفنون.
 ويمكن تصنيف شعر هذه المرحلة ضمن تيارين بارزين كما درج على ذلك دارسو الأدب ومؤرخوه ،وهما : تيار الزهد، ويقابله تيار اللهو والمجون ؛مع ضرورة التنبيه وجود ثروة شعرية تكفي لتشكل تيارا ثالثا فيه من هذا ومن ذاك ،يمكن ان نسميه تيار الهزل والسخرية والضحك، وتنحصر أسباب ظهور التيارات الثلاثة في سوء الوضع العام الذي طبع المرحلة وكان من أبرزها الصراع والتنافس على السلطة فكثرت الدسائس والانقلابات السياسية وما صحب ذلك من اضطرابات أمنية أفقدت المجتمع بأسره توازنه ،ودفعت به في دوامة من القلق الشامل، تدهور معه الوضع الاقتصادي ،فانتشر الفقر والفاقة والأوبئة وما افرزته من آفات؛ وأدت إليه من كساد في سوق الفكر والأدب و الشعر بث اليأس وخيبة في النفوس، وثبط الهمم، واختلفت استجابة الناس لهذه الضغوط من جهة أخرى وتباينت ،فمن كانت الروح الدينية متمكنة منه، راسخة بوجدانه ؛ واجه الحرمان بالانقطاع للعبادة والذكر وتعزى بالزهد عن ملذات الدنيا ومتعها ومفاتنها وعبر عن ذلك بنظم قصائد المدائح النبوية متقربا متوسلا، يحث على التحلي بالفضائل واجتناب الرذائل و التمسك بالقيم الدينية والتخلق بالآداب الإسلامية، وبالغ بعضهم فدعا إلى الإعراض التام الكامل عن الدنيا والاستسلام لقدر الله والرضا به والتفرغ للعبادة والتصوف والتنسك ، والتشفع بالأولياء والصالحين.
ومن كان على النقيض من هذا قنط من رحمة الله وسخط فاجترأ على كل المحرمات واباحها لنفسه بلا رادع ولا وازع، وافحش في القول البذيء ، وصور الأعمال الماجنة الفاجرة الداعرة بشكل فاضح تاباه طبيعة الإنسان السوي ، وطلب الملذات المنحطة بلا حياء ،واعلن عن ذلك ودعا أليه في ثورة وتمرد.فأما التيار الأول فخير من مثله الشاعر البوصيري ، وابن نباتة ،وابن عربي. وابن الوردي (ت749هـ) وابن معتوق (ت707هـ) والإمام البرعي (ت803هـ) ومجد الدين الوتري (ت980هـ) والشهاب محمود الحلبي (ت725هـ).

والتيار الثاني مثله : صفي الدّين الحلّي : (675- 750هـ / 1276 - 1349 م)

 
والتيار الثالث : شعر النقد الاجتماعي الهزلي والساخر الضا حك الذي يخفي وراءه المعاناة ومرارة العيش ويمكن ان نزعم أن معظم أصحابه وحاملي رايته كانوا من شعراء التيارين السابقين حين حاصرتهم نوائب الدهر و انتابتهم مشاعر الضعف والوهن الانساني ،إلى جانب الشعراء أصحاب المهن كالمعلمين والفلاحين ،والذين كانت البطالة الموسمية تتربص بهم على مدار السنة ، فاتخذوا الشعر هواية وتسلية ووسيلة لقتل الوقت و ليساعدهم على مواجهة شقاءهم بالسخرية منه ، يغلفون آلامهم بالدعابة ،ويقتلون فراغ ايامهم بالألغاز والأحاجي وما شابهها ولعل خير من يمثله ابن قلاقس (ت567هـ) ووصفي الدين الحلي ، وابن دانيال (ت710هـ) و أبو الحسن الجزار.

الذي يقول

لا تلمني يا سيدي شرف الدين إذا ما رأيتني قصاباً‏

كيف لا أشكر الجزارة ما عشت حفاظاً وأهجر الآدابا‏

وبها صارت الكلاب ترجّيني وبالشعر كنت أرجو الكلابا

وحدث أن أباه الشيخ، تزوج عجوزا فقال:‏

تزوج الشيخ أبي شيخة ليس لها عقل ولا ذهن

‏لو برزت صورتها في الدجى ما جَسَرتْ تنظرها الجن‏

‏كأنها في فرشها رَمة وشعرها من حولها قطن‏

وقائل قال لي: ما سنّها ‏ قلت: ما في فمها سن .

ومثله يصف البوصيري سوء حاله في أواخر أيامه مستدرا عطف أحد الوزراء

إليك نشـكو حـالنا أننـا عائلـة في غايـة الكـثرةْ

أحدِّث المولى الحديثَ الذي جرى عليهم بالخيط والابرةْ

صاموا مع الناس ولـكنهم كانوا لمـن يبصرهم عبرةْ

وأقبل العيـدُ ومـا عندهم قمح ولا خـبز ولا فطـرةْ

فارحمهمُ إنْ ابصروا كعكةً في يد طفل أو رأوا تمـرةْ

‏ ‏وشاعت في شعر هذه المرحلة الألفاظ الاعجمية من تركية وأمازيغية وغيرها من العامية فهذا أبو الحسن الجزار قال يهجو تركيا

وكم قابلت تركياً بمدحي فكان لما أحاول منه يحنق‏

ويلطمني إذا ما قلت: (ألطن)‏ ويرمقني إذا ما قلت: (يرمق)‏

وتسقط حرمتي أبداً لديه‏ فلو أني عطست لقال: (يشمق) .
مفردات تركية في شعر الجزار‏


(ألطن) ومعناها: الذهب. و(يرقق) وتعني: المكافأة.‏ (يشمق) ومعناها: غطاء الوجه

وهي أول ما يصادف كل من كان على دراية بالشعر العربي في العصر العباسي والعصور السابقة عليه .فهذا أبو الحسين الجزار (601 هـ/1204م – 672هـ/1273م ) يتغزل فيقول

بـــــذاك الفتــور وهــذا الهيف يهـون عـــلى عاشقيك التلف

أطــرت القـلوب بهذا الجمال وأوقعــــتها في الأسى والأسف

تكلـــــف بــدر الدجـــى إذ حكى محــياك لــــو لم يشنه الكلف

وقام بعــذري فيـــــك العــذار وأجـــــرى دمــوعي لما وقف

وكــم عــاذل أنكر الوجد فيك عـــــلي فلمـــــا رآك اعــتـرف

وقـــــالوا : بـــه صلف زائد فقلت : رضيـــت بـذاك الصلف

لئن ضاع عمري في من سواك غــراما ؛ فـإن عليك الخلف

فهــــاك يـــدي إنــني تائــــب فقـــل لي : عفى الله عما سلف

بجوهـــــر ثغـرك مــاء الحياة فـماذا يضــرك لــو يُرْتشف.؟

والملاحظ أنه رغم ما في هذه الأبيات من طرافة وخفة وتواصل سميائي مع الشعر الغزلي في العصر العباسي ، إلا ان معانيها وصورها مطروقة متداولة ،والشاعر فيها متبع مقلد ، ونفس القول يصدق على الحياة الفكرية والأدبية في المغرب إذ " وُجِدَ الأدبُ المغربيُّ في أعقاب العصر العباسي وبجوار الأدب الأندلسي فتأثر بهما وأخذ عنهما دون أن يفقد شخصيته المغربية " [14]

ومن شعراء المغرب الذين ينطبق على شعرهم ما سبق قوله مالك بن المرحّل (604هـ-1207م/699هـ-1269م) ؛ ومن شعره العذب ؛أبيات من قصيدة يحاكي فيها الشاعر العباسي بن الفارض منها قوله:

شكيت لقاضي الحب ،قلتُ أحبتي جـفوني ، وقالوا أنت في الحب مدَّع

وعندي شهود بالصبابة والأسى يزكون دعـواي إذا جئت أدعــــــي

سهادي ، وشوقي ،واكتئابي ، ولوعتي ووجدي ، وسقمي ، واصفراري ، وأدمعي

وعلق حنا الفاخوري على هذه الأبيات بقوله "ليس في هذا الحب معاناة حقيقية ؛ وليس فيه تعير عن تجربة ، وإنما فيه فن وطرافة ،وروعة وأداء، وهو ؛ وإن كان قليل الإثارة ؛ ضعيف التأثير في عالم النفس والحس ، فهو يعجب بما فيه من زخرفة بيانية وبديعية ، وبما يمتاز به من رقة وسلاسة وسهولة ؛ ويعجب خصوصا بالطرافة التي يتحلى بها"[15]

ولكن حنا الفاخوري تغاضى هنا عن لحن الشاعر وخطئه اللغوي في استخدامه للفعل شكا ، يشكو بالصيغة العامية ، "شكيت" والأصح شكوت؛ مع استقامة الوزن في الصيغتين العامية والفصحى.

وفي مجال المدح كان السلاطين والأمراء و الوزراء وأصحاب السطوة هم غاية الشعراء ومقصدهم ومحط ارتحالهم ، يصبغون عليهم ما يعجبهم من الاوصاف المحمودة المتدوالة وتزدهي به سيرهم فيمنحون ،وينال المادحون جوائزهم.

شعر الزهد؛ والتصوف؛ والمدائح النبوية والتشفع بالأولياء. ومن جملة العوامل التي جعلت هذه الأغراض تغلب على شعر العصر المملوكي، الحفصي ،الزياني ، المريني هي كون الزوايا في هذه الحقبة كانت هي الحاضنة الأساسية لتخريج العلماء والزهاد والنساك والمتصوفة في اقاليم المغرب العربي.
الشعر التعليمي:
رغم أن الشعر التعليمي تعود بذور نشأته إلى العصر الأموي إلا أنه نشط وكثرت "المتون المنظومة" في عصر الماليك بشكل لم يسبقه ؛ ولم يلحقه مثيل ،ومن العلوم التي كثر فيها النظم علوم اللغة المختلفة" النحو ، والصرف ، والبلاغة " باعتبارها لغة القرآن وهي أجدر العلوم وأحقها بالعناية وبالجمع والحفظ في رأي علماء ذلك العصر من جهة ، ولتسهيل حفظ مفرداتها وقواعدها وضوابطها واسترجاعها من طرف طلاب العلم عند الحاجة ، كما نظمت إلى جانب ذلك الفرائض، والقواعد الفقهية ، والمنطق، و قوانين الكيمياء (الخيمياء)وتحولات المادة (علوم الهيئة) مع العلم أن خالد بن يزيد بن معاوية الأموي (ت 704 م) أول من نظم ما كان قد عرفه من قوانينها وله " ديوان النجوم، فردوس الحكمة، والقصائد في الكيمياء، وقصيدة كيميائية، ومنظومة في الكيمياء."[16] إلى جانب متون العديد من العلماء الذين جاؤوا بعده ونظموا معارفهم في متون.
وفي عصر الضعف انحصر النظم في العلوم في مجال الحرف البسيطة وصناعة الحلويات والمأكولات.
وتميزت أغلب هذه المتون بالطول لتستوعب العلم المنظوم وتحيط به وتستقصي مكوناته ، ولذلك كثرت الألفيات ، أي المتون المنظومة التي يناهز عدد أبايتها أو يساوي أو يفوق الألف بيت ، ومن أشهرها ألفية ابن مالك "الخلاصة الألفية " و" الكافية الشافية" وقد اشتهرت هذه المتون وشاعت واحتفى بها شيوخ العلم وطلابه ودارسوه فأنشأت حولها الشروح وشروح الشروح .

استمر نشاط النثر العلمي ،والعلمي المتأدب ؛ بعد سقوط بغداد :" فقد كثر التصنيف في التفسير والحديث والفقه والخلاف (في المذاهب ) الجدل ...واتسع التأليف اتساعا كبيرا وخصوصا في التراجم"[17].

الكتابة الديوانية : تجسدت في الرسائل السلطانية أي الديوانية، و هي التي تصدر عن السلاطين و الحكام والأمراء وما يتبع لهم من الدواوين والإدارات الرسمية تحمل أوامر وتوجيهات وتعليمات أو مطالب واستفسارات من؛ وإلى المسؤولين والتابعين للسلطة والعاملين لديها. تتناول الشأن العام ، وتتعلق بمقتضيات الحكم ومتطلباته، ومثل النثر العلمي كانت الكتابة الديوانية خلال عصر الضعف نشطة فـ"في أيام المماليك تعددت دواوين الدولة (الدوائر الرسمية) فتعددت من أجل ذلك أنواع الرسائل الديوانية (الرسمية) ، وكانت هذه الرسائل صورة للحياة الرسمية "[18] وكذلك " مازالت مزدهرة بدمشق حتى استولى عليها العثمانيون سنة 922هـ وأصبحت اللغة التركية اللغة الرسمية للدواوين فيها وفي غيرها من بلدان الشام"[19].

و الرسائل الإخوانية : تتم بين الأهل والإخوان والأصدقاء ، تدور موضوعاتها ومضامينها حول قضايا فردية شخصية ، تافهة غالبا كالتعبير عن الأحاسيس والمشاعر الفجة بطرق فجة، أو تصف مشاهد وفكاهات ، ومناظر وأحداث بطرق ساذجة.
الفترة الثانية / عصر الانحطاط.
وبعد أن تمكن الأتراك العثمانيون من صد آخر حملة صليبية تقودها أروبا ضد المسلمين بين سنتي 1443 م إلى 1444 م تفرغوا لتقوية جيوشهم وتدريبها وتسليحها ثم اتجهوا بها جنوبا وغربا نحو الأقاليم والإمارات والدويلات العربية والاسلامية وفي سنة " 923هـ الموافق1517م " وبعد سيطرة الأتراك العثمانيين على الشام ومصر ومعظم الشريط الساحلي للمغرب العربي وباقي الأقاليم الأخرى التي أخضعوها لسلطانهم شرقا وغربا وشرعوا في ابتزاز أموال الناس :الفلاحين والتجار ؛ وأصحاب الحرف على وجه خاص، والرعية بشكل عام و بالغوا في فرض الضرائب والإتاوات الجائرة ، وزرعوا في النفوس الخوف والرعب ، فانتشر الإفلاس والكساد، وخيم الفقر والفساد، وعم القلق والجهل والاضطرابات والفتن، وتفككت روابط المجتمع ، وانتهجوا سياسة التتريك العام فبدأ انحطاط الأدب حين جفت دواعيه ومنابعه وأدواته، فتسارع تهاويه نحو الحضيض شكلا ومضمونا ، ، وتسلط الخمول على العقول فتصحرت الحياة الفكرية والعلمية والأدبية ، وتلاشت المواهب ،وجفت القرائح ،ولم يبق من مظاهر الفكر والأدب إلا الهزيل المسف ، والمقلد المشوب بالقصور والتكلف والتعقيد.
«مِن ملك الملوك شرقاً وغرباً، الخان الأعظم، باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء.. يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته أنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه وسلّطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتَبَر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا ويعود عليكم الخطأ.. وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب. فأي أرض تأويكم؟ وأي طريق تنجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع.. فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم. فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر.. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب قبل أن تضرب الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاهاً ولا عزاً ولا كافياً ولا حرزاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذّرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم[20]

[1] تاريخ الادب العربي ، عمر فروخ ،دار العلم للملايين ،بيروت لبنان ؛ 1989،ط5 - ج3-ص602


[2] الحروب الصليبية في المشرق والمغرب ؛محمد العروسي المطوي ، دار الغرب الاسلامي ط2 سنة1982م


[3] نفس المرجع


[4] نفس الرجع السابق


[5] تاريخ الادب العربي ، عمر فروخ ،دار العلم للملايين ،بيروت لبنان ؛ 1989،ط5 - ج3


[6] الادب العربي وتاريخه في عصر المماليك والعثمانيين والعصر الحديث ؛محمود رزق سليم ؛ مطابع دار الكتاب العربي بمصر1377هـ-1957م


[7] نفس المرجع


[8] نفس المرجع


[9] نفس المرجع،


[10] المرجع السابق ؛ ص613


[11] نفس المرجع ؛ص610


[12] نفس المرجع ؛ ص610


[13] نزهة النفوس ومضحك العبوس، ابن سودون اليشبغاوي، تحقيق د . محمود سالم محمد، دار سعد الدين - دمشق، ط1، 2001 م . (ص55)..


[14]الجامع في تاريخ الأدب العربي القديم ؛ حنا الفاخوري ؛ دار الجيل ؛ بيروت لبنان ؛ ط1 ؛ 1986ص1011


[15] نفس المرجع ص 1017


[16] تاريخ التراث العربي. د. فؤاد سزكين. ت: عبد الرحمن بن عبد الله حجازي، الرياض : جامعة الملك سعود، 1406 هـ / 1986م ، مج 4


[17] تاريخ الادب العربي ، عمر فروخ ،دار العلم للملايين ،بيروت لبنان ؛ 1989،ط5 - ج3 ص 610 ؛611


[18] تاريخ الادب العربي ، عمر فروخ ،دار العلم للملايين ،بيروت لبنان ؛ 1989،ط5 - ج3



[19] تاريخ الأدب العربي ،عصر الدويلات والإمارات ، الشام ، دار المعارف ،1990؛ ط2 ؛ ص300


[20] مجلة الفسطاط التريخية


الثلاثاء، 2 أكتوبر 2012

جثة تهديها الريح


جثة تهديها الريح

 
قال لي  إمام الأمة: يا شقي عقله،أيها الضال ؛ إذا أردت الهداية ، ورغبت في مناقشتي فاخلع عقلك، واطرح روحك، وامتط صهوة الثقة المريح ، ليسهل علي إقناعك دون عناء؛ وقيادتك إلى باب الجنة حيث ترتشف نشوة الإيمان النقي فتستريح. قلت :لا ،شكرا، لست جثة....

الأربعاء، 29 أغسطس 2012

الحمار والفخار وقمر الشعير

الحمارُ والفخارُ وقُمْرُ الشَّعِير
          حمار مؤهلاته محدودة بطبيعة تكوينه ،  يرى أمامه قُمْرَ شعيرِ يسر الناظرين   ؛ فيشتهيه ويجري وراءه  ، يتبعه حيث جرى ؛ ويغدو قُمْرُ الشَّعيرِ هو الذي يرسم الطريقَ؛ ويحدد الاتجاه والمسلك والمسار ،  مادام راكبُ الحمار يغط في نومه ،  وقد يصبح الراكب وحماره  أول ضحايا القُمْرالمتأرجح المغري ؛ فالحمار بغض النظرعن اسمه، و عن شكل ولون البرذعة التي يرتديها ، والنياشين التي تزين صدره ؛ ومنزلة صاحبه في المجتمع أو راكبه ، حين يرى قُمْر الشَّعير بلونه المغري  يرقص أمام أنفه ، يندفع نحوه بكل قواه ، وبكل ما يملك  دون  أي اعتبار للمحيط ، أو لخصوصية الحيز  الذي يتحرك فيه ، أو للقوانين أو اللافتات الناظمة للحركة والمرور ، وهو يجري وراء هدفه حتى  داخل بيت صاحبه أو راكبه ، ولا بأس إذا داس كل من فيه من رضع نائمين ؛ وما فيه من أواني زجاجية ؛ وفخارية هشة ذات قابلية كبيرة للكسر؛ تفوق أثمانُها ثمنَ الحمار وقُمْرِ الشّعير معا بكثير .
        و  الحمار معذور لأن تكوينه المعلوم المعلن لدى العقلاء ، ولدى بني جنسه وأقاربه من البهم ؛ و مصلحته الخاصة ،و الجوع اللعين، وحبه الفطري للشّعير ، وقدرته على  السعي إلى تحصيل ما يحب ، وإباحةالشرع ذلك وحثه  عليه  ؛  كلها  تجمعت في نقطة متحركة غير ثابتة أمام ناظريه ؛ استقطبت  وجوده  ؛ وفيها تركز وتكثف إدراكه كله ؛ وغاب عنه بحكم ماهيته أن فكره الجامد ، قد ازداد تجمدا  وانحصر في هدف أني  ثابت ؛ هو بذل الخطوة الأخيرة التي تمكنه من الفوز بالقٌمْرِ وابتلاعه ؛  دون أن يتنبه  المسكين ؛  إلى أن ما يراه متحركا ؛ هو في حقيقة الأمر ثابت أيضا. 
إنه هو الذي يدفع ربطة الشعير بعيدا عن شفتيه بحركته نحوها، وهو ولا يستطيع أن ينتبه  إلى أن ثبات قُمْرِ الشعير الهارب  هو ما يصنع شقاءه، ويدخله في غيبوبة  وجودية ، ينتج عنها جهد عبثي  نتيجة توهمه أنه يرى هدفا  مشروعا منفضلا عنه ، يستحق  المعاناة في سبيل الوصول إليه ، وأنه يفعل ذلك.
      ومما زاد في  مأساته ومأساة ضحاياه ، ووسع فداحة إفساده ؛ غفلة راكبه  واستغراقه في النوم  ، وقد أسقط من يده الرسن العاقل والموجه ،فشعر حمارنا صابر بن صابر بن يعفور رغم الجوع والإرهاق أنه قد  تحرر تماما.
 ذاك الحمار ومثله خَلَفُه، وذاك صاحبه  ينام فوق ظهره متأرجحا، ونحن الرضع والزجاج ؛ والفخار. 


الأحد، 22 يوليو 2012

رحيل السيد "الحريف"


                                     رحيل السّيّد "الحَرِّيف"

                 كان السيد "الحَرِّيف" الزند والساعد والذراع الطويلة، كان هو السيد في غياب السيد، كانت صرخة واحدة منه تجعل عمال المزرعة يتدافعون فيرفس القوي منهم الضعيف دون رحمة، فتغزوه السعادة من جميع النواحي  حين يحوز من سطوة سيده سطوة.

كان ذلك في الأيام الخوالي، ونغص عليه ذكرياته الحلوة تلك طرق على الباب.

         يحاول السيد "الحَرِّيف" الحركة ، فتتمرد ساقاه عن إرادته ،  فيهم رغم الوهن ولا يفلح ، يعاود الجلوس ـ يتنهد من أعماقه ويعيد محاولة الوقوف مستندا إلى الحائط الطيني متشبثا به بكلتا يديه، ولكن لا تطاوعه رجلاه ، وترفضان الحركة فيتهاوى في نفس المكان ، يتكرر الطرق على الباب بشكل أعنف ينبئ عن نفاذ صبر الطارق ربما نتيجة لتزايد الشعور بالغضب ، قد يكون السيد جاء يريد الأمر بخدمة.

 ولكن لم لا يكون نفاذ الصبر نتيجة لشيء آخر ؟ لتزايد القلق مثلا ، قد تكون إحدى بناتي جاءت لزيارتي ،وهي تخشى أن أكون قد مت منفردا ، إنها هي حتما ، ليتها تصبر إلى أن أتمكن من النهوض ولا تكسر الباب، وسعل ليرسل بشارة تنبئ أنه حي ، ولكنه لم يستطع أن يعد بأنه آت لعدم يقينه من قدرته على تنفيذ وعده.

ازداد الطرق عنفا ، يوحي بأن الطارق قد بدأ يفقد السيطرة على أعصابه وأنه قد يقتلع الباب من أصله ، وصار واضحا أن الطارق ليس امرأة بل سواعد مغزولة مفتولة ، وخاف أن يكون السيد هو الطارق ،ومتى كان "الحريف" يترك السيد ينتظر ، أو يطرق إلى أن يغضب : لابد أن يتمرد عن العجز ، لابد أن ينهض للقاء السيد ؛ والترحيب به ترحيبا يليق بشخصه ، فالألم مهما كان أهون من غضب السيد ؛ قد يرمي به إلى الشارع كما فعل مع الكثيرين غيره ، وعند هذا الحد نهض ، سقط ثم نهض ثانية وبدأ السير مستندا على الحائط حتى وصل إلى الباب.

فتح الباب ، دخل السيد وتفقد محتويات البيت بنظرة فاحصة ، ثم سأل "الحريف" : هل أنت مريض أيها العجوز؟

- لا يا سيدي هل من خدمة؟

- مررت بجانب كوخك هذا ، فأبصرت عندك ديكا عربيا ؛ بلديا ؛ وديكا  ، يسرح ويعبث بدجاجات الجيران في الخارج ، و سيدتك في البيت مصدورة تشكو سعالا حادا ، فهل تستطيع الإمساك به ليكون علاجا لسعالها؟.

- سأفعل يا سيدي في الحال ، وسآخذه إليها بعد أن اذبحه فلا تغضب وامض لشؤونك في رعاية الله وحفظه ، وسيكون إن شاء الله شفاء لها ، وصحة وعافية.

انصرف السيد؛ وتهاوى "الحَرِّيف "أمام الباب ككيس من قش فارغ، خاو ي العظام مسحوق الوجدان وقد نزلت به لعنة الديك يغذيها مرض السيدة.

كيف لي أن امسك بالديك وأنا على هذا العجز ؟ منذ ولدت وأنا عاجز ، عاجز عن كل شيء إلا عن إشباع رغبات السيد وتنفيذ أوامره ، وتلبية مطالبه وحاجاته ، واليوم أنا عاجز حتى عن تلبية مطالب السيد.

واستولى على "الحَرِّيف" وهن أدخله في حالة من الخدر تزيد من سريانه و لذته أشعة الشمس المتسللة نتيجة لانحراف الباب قليلا إلى الداخل.

وغفا "الحَرِّيف" ، غفا غفوة كانت أحلى غفوة يغفوها في أسابيعه الأخيرة ، لا يعلم كم دامت بالضبط.

استيقظ الحريف على رجل قوية ترفسه ، وتدفع الباب إلى الخلف حتى تلقاه الجدار .

أخبرتك أن سيدتك مريضة، وأنها في انتظارك، فنمت في مكانك يا كلب السوء.

سيدي : أنت ترى أنني مريض أيضا ، ورغم ذلك سأقوم حالا لتنفيذ ما أمرت به ،وأنا أتوسل إليك ألا تغضب ،وهدئ من روعك، روحي فداك وفداء السيدة.

وحاول النهوض في الحال، فسقط على وجهه حتى تعفرت جبهته، وحاول مرة ثانية، وثالثة...

انصرف السيد؛ وزحف "الحريف" يبحث عن الديك في المزبلة، وهو يدعو الله أن يسوق إليه صبيا من أبناء الجيران ،  يمكنه من رقبة الديك الملعون.

وفي هذه الأثناء رأى الشاب " محزوطة" يحث السير نحوه ، فاستبشر خيرا ، لكن "محزوطة" لم يمهله وألقى إليه الخبر:

- سيدي "الحاج" يرى أنك قد كبرت ؛ وقد أصبحت عاجزا ، ولم تعد تصلح لشيء وهو يأمرك بمغادرة البيت حالا ، ويرى أنني خير من يمكن له يحل محلك في خدمته ، ، لأنني نويت أن أتزوج ، وليس لي بيت يأويني ، فسآتي بفراشي إلى البيت بعد الظهر ، هذا ما أمر به السيد فتدبر أمرك.

- قال "الحريف " أمر سيدي طاعة، وقد عجزت فعلا ولم أعد أصلح لشيء، وهو حر فيما يفعل وما لا يفعل، وما يفعله حق ، وقد أحبه الله وعائلته وأفاض عليهم من النعم ما أفاض ، وسخر لهم فرنسا، فأحبتهم واتخذتهم عقلها وعينها وأذنها ويدها التي تبطش بها ،وأعزهم خلفاؤها من بعدها ، و غضبه علي وغضب السيدة من غضب الله ، وزحف لينام على حافة المزبلة ، فنسي لأول وأخر مرة السيد و السيدة والديك.

الضيف حمراوي 26/05/2009


الجمعة، 13 يوليو 2012

التفكير المرهق



الشعوب العربية شعوب بدائية.
 






التفكير في شؤون الشعوب العربية بمختلف كياناتها ،ومكوناتها العرقية والمادية والمعنوية متعب ، يشل العقول ،ويجمد الخيال ،ويدخل كل ممكن في حيز المحال. والواقع دلل على مدى قرون - ومازال يدلل- على أنها من أكثر شعوب الكرة الأرضية بدائية ،تلكم هي الخلاصة التي لا يمكن لأي عاقل استنتاج غيرها .

         هذا الحكم مجسد بالأدلة الصارخة في تشرذمها الفكري والسياسي  ، وتنافرها العاطفي ،وسلوكها اللاأخلاقي والفوضوي المتناقض والمتعارض تماما مع أبسط  مقتضيات التجمعات البشرية ،والمعاكس لأقدس أدبياتها المعلنة، ولأخص خصوصياتها المفترضة فيها؛ شعوب لا تقرأ وأول أمر نزل في دينها ، وفي كتابها " إقرأ" ، أمة تحفظ كتاب دينها وتقرأه وترتله  في كل حين ولكنها تعيش بلا دين ، أمة من مقدساتها  "أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "" المائدة 32   وهي تعد البطل والزعيم  فيها أشدها فتكا بأهله .
     أمة ربها حرم الظلم على نفسه ،  وقضاتها أحلوه لأنفسهم ، وجعلوه وسام أحكامهم وعَلَم سلطانهم   ؛تجزيهم عليه سلطات  ضالة مستبدة ، وتقرهم عليه جحافل صامتة،  مظلومة مكلومة ، استولى عليها الإحباط واليأس ،فاكتفى بعضها  بشكوى العاجز الذليل ، الذي ضل الطريق وافتقد الدليل، و استعجل بعضها الرحيل ، مفضلا لظى النار ،وويل الانتحار ، وآلام الاغتراب وصنوف العذاب على الخضوع لسطوة الأهل الأراذل.
        أمة كانت (..خيرة أمة أخرجت للناس). فغدت أبشع أمة ابتلي به الناس،  حيثما توجهت ، وجدت سفهاءها هم قوادها وروادها؛ في الدين والسياسة، في التجارة والعمارة، في الصناعة والإدارة... و بهم وبأتباعهم ؛ امتد بلاؤها على مدى يزيد عن أربعة عشر قرنا ، وكلما خطا الزمان خطوة وتقدمت الشعوب والأمم  الأخرى في مدارج التطور والرقي ، كلما نكصت هي وانتكست و زادت  صراعاتها العنيفة الظاهرة والخفية، الداخلية ، والقطرية ،الدينية والمذهبية؛ المادية والروحية ،  الفكرية والسياسية تشعبا وتعقيدا وحدة،واشتد أذاها بتطور أساليب وأدوات القتل .
     ....    هذا الحكم مجسد في بشاعة سمعتها في العالم على جميع المستويات ،ومن خلال الكم المرعب  للجرائم الرهيبة والمجازر الوحشية التي ارتكبها ، ويرتكبها أبناؤها ضد أصولهم وفروعهم ، وضد كل من انتسب إليهم بسبب أوصلة ، ضد أبائهم وأبنائهم ، وضد أمهاتهم وبناتهم، وضد إخوانهم وأخواتهم، ضد زوجاتهم ونسائهم ، وضد جيرانهم في جميع الأقطار العربية ؛ قبل إيذاء الغريب .

        وهي جرائم -كانت ومازالت وستبقى - مستمرة عبر الحقب والأزمنة ،وعلى جميع المستويات : في  أوقات السلم ، وفي أوقات الحروب والاضطرابات، فالجميع عدو للجميع عمليا ،  والجميع يحرض على الجميع ، و الجميع ينهب  الجميع بلا رحمة ولا شفقة، والكل يغش الكل بكل الطرق والمبررات ، والجميع يسخر من الجميع ويسخره،  يستغله بأبشع الطرق ،فالمسؤول من أبناء هذه الشعوب تنحصر مسؤوليته  في رعاية الفساد والإفساد : إفساد الأجيال وتسميم الأرزاق ، وتخريب العقول وتلويث الأخلاق ،وبذل أقصى ما لديه من وسع وطاقة ينفقه  في إرهاب شعبه وإهانته  وإذلاله  وقمعه ، وإخضاعه لعصابات الأنظمة المعادية له،المتحكمة في مصيره عنوة وقهرا بحد السلاح ، الفاسدة المفسدة  التي تذوى ووتلاشى  في مناخ حكمها كل المثل والفضائل بدون استئناء  ، وتزدهر في تربة عبثها الآفات و الرذائل ،ترويها شعارات كاذبة خادعة مخدرة ،تنشرها  أجهزة، ووسائل ،ومنظومات إعلامية مسمومة  مأجورة ، مهنتها خيانة الوطن بمن وبما  فيه ، وبما تحته وعليه ، وهي في بنياتها ، ووظائفها، وغاياتها ؛ أمتداد طبيعي لإعلام المستعمر القديم والجديد، وبفضلها تمد الشرور  جذورها نحو الأعماق ، وفي كل الاتجاهات بيسر ونعومة يوما بعد آخر، ويربو السلوك و العادات الممقوتة التي بادت عند الأمم الأخرى كالكذب ،والنفاق ، والنذالة ، والخداع والسفه،والجور،والتهور، والجبن ،والأنانية والجشع،والكِبْر وغدت هذه المهلكات هي المؤهلات للمسؤولية،وهي دلائل الكفاءة والاستحقاق للإمساك بحبل السلطة والتصرف في الشأن العام ، وبذلك تتدعم وتتعزز عصابات المافيا المرتزقة والحاكمة ، البارعة  في تزوير الحقائق، وتحريف وقائع التاريخ ،وتغطية أعمال السلب والنهب والتخريب ، وتحويل ممتلكات الأمة ومقدراتها وثرواتها إلى خزائن أفرادها ؛ لإشباع شبقهم الحيواني ، وجوعهم الأبدي ،  أو إلى مصارف الغرب وبنوكه ، وقهر كل محتج أو معارض ، أو رافض .
            والمصيبة  العظمى ، وداهية الدواهي ، وقاصمة الظهور، وفاتحة فوهات المدافن  والقبور، المنبئة بالويل المقبل هي كون أفراد هذه العصابات المافياوية وجرائمها ، قد أصبحت هي القدوة والنموذج المرغوب ، والمثال المحتذى والأمل  المطلوب  الذي تتطلع إليه أجيال هذه الشعوب البدائية،على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم  ،حتى يمكن للملاحظ أن يقسم غير آثم ؛ أن أغلب  هذه الشعوب قد أصبحت تعشق جلاديها عشق قيس ابن الملوح لليلاه ، ولا تلد إلا مجرما أوضحية.
            حكام الشعوب العربية من أبنائها وبناتها ، وأخلاق هؤلاء الحكام وسلوكهم زبدة تربية الأسرة ، والمسجد،  والمدرسة،  والتراث المكتوب ، والشفهي ؛ ولا شيء غير ذلك ،ويستحيل على من له ذرة من عقل أن ينسب فساد الإنسان العربي إلى غير هذه المؤثرات ، لأن العربي كانت هذه حاله ،  مع أهله،  ومع حكامه ، وحال حكامه مع رعاياهم منذ النشأة الأولى ،أي منذ الغزوة الأولى ، والغارة الأولى إلى اليوم.
         ولم تستطع الحضارات الإنسانية القديمة والحديثة  والمعاصرة أن تؤثر ، أو تغير قيد أنملة من حقيقة الإنسان العربي القارة ، الثابتة ثبات الجبال الراسخة  في مواقعها.
فالعصابة الظالمة التي تلغى من الوجود كل من لا ينتمي إليها، ولا يقرها على ظلمها عملا ،  هو جوهر الوجود العربي. ولا بأس في المخالفة القولية من باب التقية،والمخادعة ، وتوظيف أساليب التضليل بالقول والمغالطات المنطقية باعتبار ذلك من أسلحة العصابة.
   وشعار العصابة ؛ قول شاعرها:
إذا بلغ الفطام لنا رضيع             تخر له الجبابرة ساجدينا.
نشرب إن وردنا الماء صفوا       ويشربه غيرنا كدرا وطينا.
 ووثقه حكيمها زهير بن أبي سلمى :
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه         يهدم ، ومن لا يظلم الناس يظلم.
             ولا يذهبن بك الطمع أو النخوة الموروثة،  المغررة،  المغرورة  فتتصور أن الجبابرة ، وغيرنا ، المقصودين هنا من أمة أخرى ،أو أن الناس هم الأغراب أو الأجانب ، لأن "الجبابرة ؛ وغيرنا ؛ والناس" هم  إخوته ، وأبناء عمومته  ولا شيء وراء ذلك ، والذين يولدون كذلك بالطبع ، ولا يتغيرون ، وينشأ العربي - عرقا أو هوية - لا يستطيع أن يعيش إلا ظالما أو مظلوما،إماما متبوعا أو مأموما تابعا، ساجدا أو مسجودا له ، غاصبا أومغتصبا، قاتلا أو مقتولا، مستبدا أو مستبدا به ،سالبا لحقوق غيره أو مسلوب الحقوق ، مخوِّنا لغيره أو مخوَّنا ، مكفِّرا غيره  أو مكفَّرا، أو مستبيحا دم أخيه ،أو مستباح الدم ،  وفي أيامنا هذه ، حين تشرف الجماعات العربية  المتناحرة بطبعها ، المتخلفة بسبب توحشها ، على إفناء بعضها بعضا، تعلق فسادها وفشلها الذريع ، وعجزها عن الرقي إلى مرتبة الإنسان على الغرب، أو على المجتمع الدولي ،في حين أن السلاح الذي يتقاتل به العرب أو يستعبد به بعضهم بعضا سلاح تم شراؤه برغبة من العرب أنفسهم ، وتوسلوا وتضرعوا و رشوا وتنازلوا للغرب عن الكثير مختارين ،  وحملوا أموال الضرائب المقدمة من المواطن العربي وثرواته إلى خزائنه،سارقين لها تحت غطاء تجارة السلاح ،بعلم الرعايا الضحايا العارفين عن يقين بأن هذه الأسلحة لن تستعمل إلا في إزهاق أرواحهم ولن توجه لأحد غيرهم مهما حصل، والقاتل بها –والقتيل حتما-  لن يكون سوى واحدا منهم  هو، أبن،  أو أخ  أو عم أو.. (الشهيد –الخائن) الذي( استشهد - لقي مصرع) على يد قريبه (الوطني ،الطاغية –المجاهد، الإرهابي) ؛ الطامع بدوره في نيل الشهادة وكلاهما سيدخل الجنة خالدا فيها) ، أصالة أو بالنيابة - حين يقتل كل قاتل في منطقته – بمبررات تافهة يتم اختلاقها لتبرير الجريمة، تحت رقابة عدالة منهم يجتهد أفرداها كي يلووا عنق القانون كي يتطابق مع طباعهم الخارجة عن القانون.
               وهذا الواقع البشع يقرر الحقيقة المرة وهي أن  كل من يطمع  في أن يتحضر الكائن العربي ويرقى إلى رتبة الإنسان:  بمعنى أن يتصف بالعدل والنظافة، والأنس، والرحمة، والأخوة  يكون كمن يطمع في اصطياد العنقاء.
             وعوض أن يحاول الانسان العربي كفرد وجماعة الاعتراف بتخلفه ، وفساد تفكيره ، وسلوكه ؛ ويقر ببشاعة جرائمه التي اقترفها عبر هذه المدة الزمنية الطويلة   ومازال يقترفها ،  في حق نفسه ،وفي حق أهله وبني جنسه ، وفي حق الطبيعة التي ألقى به الله فوق ظهرها ليعمرها فدمرها وأقفرها،حتى غدا أسوأ المخلوقات البشرية،  وغدت التجمعات العربية أبأس التجمعات  ، و عوض أن يكف عن ترديد نصوصه ، ومقولاته  المهترئة التي لم تعد تقنع حتى البهائم ،تجده سادرا في غيه ، معتزا بفساده ، باحثا عن المبررات.
              إذ زعم أحدهم مستنكرا رأيي هذا في العرب - وهو يقدم تبريره ؛  وكان في حقيقة الأمر؛  يعبر في نفس الوقت عن رأيه وعن ضمير جمعي مريض قار في ذهن الأمة كلها - مفاده أن لاغرابة في تقاتلنا ،ووحشية علاقاتنا ،وخلو سلوكنا من كل قيمة حضارية  لأن أوروبا نفسها قد مرت بمثل هذه الأوضاع ؛ وشهدت شعوبها مثل  هذه الحروب ،  ورغم أنه  لا أحد ينكر عنصر الصراع بين الأفراد والجماعات باعتباره أحد مكونات الوجود ، ولا أحد بوسعه أن يزعم ان الشعوب الغربية ومجتمعاتها مثالية أو ملائكية يخلو تاريخها من السواد ،وتخلو سجلاتها من الجرائم، إلا أن  ذلك كله حين نستعمله لتبرير ما نفعله بأنفسنا  يغدو في ذاته جريمة ، ومغالطة منطقية كبرى تدفع بنا في هوة سحيقة من العدمية لأن الأحداث التي شهدتها أروبا والغرب  كانت مبررة بظروف تاريخية لها معاني وقيم في حينها ، وكانت لها نتائج وثمار بعد انتهائها منها على سبيل المثال لا الحصر  ظهور مفهوم  القومية، والوطن بحدوده الثابتة القارة ، والدستور ، وسيادة القانون ، والمساواة بين المواطنين ، والحرية ...كما أن حروب أروبا وصراعاتها العسكرية والسياسية كانت  نتيجة وسببا في ذات الوقت  لتطور علمي،  وصناعي،  واقتصادي، وثقافي ،  ولاكتشافات جغرافية ، وفلكية ؛ ونشوء أنظمة ، ومؤسسات لم تكن موجودة من قبل وما كان لها أن توجد لولا هذه الحروب  وبالتالي فهي حروب تجد تبريرها في الحتمية التاريخية ـ أما الحروب والمظالم العربية فهي حروب ملعونة تقوم على المآسي ، وتنجب المآسي ، وتورث المآسي  في البيت الواحد ، ولأفراد العائلة الواحدة ، والدين ، وتقوم بدون مبررات معقولة ، وتنتهي إلى اللاشيى إذ سرعان ما يتحول الثائر المنتصر إلى فاسد أبشع ألف مرة من الفاسد البائد .
  إذن فالعقلية العربية حين تبرر حروب أبنائها وتقاتلهم فيما بينهم  ، بأنها أمر عاد   مثلها مثل حروب بقية شعوب الأرض الأخرى وأممها  التي تتدافع  كما  اقتضت سنة الله في أرضه ، وحين تتأسى بأن الأمم الأوروبية نفسها سبق لها أن خاض بعضها حروبا ضد البعض الآخر،  تبرير بائس بليد ، لأن سكان  أرويا أجناس،  وأعراق مختلفة ، مساحة أراضيها قليلة ، وثرواتها ومواردها شحيحة ،  ومناخها قاس ، وأكبر حروبها  أعني  الحرب العالمية الثانية ( 1 /09/ 1939 م -  08/05/ 1945م)  كانت حرب عرقية سعى فيها العرق الألماني الآري بقيادة زعيمه أدولف هتلر إلى محاولة بسط سيطرته على باقي الأعراق الموجودة هناك ؛ثم نطورت الأمور وافلتت وخرجت عن التحكم  وكانت النتيجة 62 مليون ضحية.
لكن في هذه الحرب المريرة لم يقتل الألماني أخاه الألماني ، أو الإنجليزي أخاه الإنجليزي ، بل كان العرق الألماني برجاله ن ونسائه ، وأطفاله  يخوض حربا ضد أعراق أخرى يريد أبادتها ليستولي على أراضيها وأموالها وليسخرها لخدمته ،او يتخلص من أذاها  ، أما العربية فهو يقتل نفسه ، عرقه ، دينه يقتل والديه ، وأبناءه وإخوته وبدون هدف لأن الأرض بيده وهو فوقها ،ولأن تسخير الآباء والأمهات والأهل والجيران  أمر غير معقول ، بل سخيف يأباه حتى الحيوان.وحتى الكلاب لا تصل في( تهارسها) هذا الحد من الهمجية والتوحش

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

حـــــــزن علوش الطيب


حـــــــزن علوش الطيب
       قال السيد علوش : وتشجعت فغامرت ، وأنفقت كل ثروتي الضئيلة ، وكامل جهدي  في فلاحة "الدلاع" ، ووفق الله ؛  فجاء المنتوج وافرا ، رائعا،  مغريا  ، وانتهى الموسم .
       وتجمعت الملايين تحت يدي فجأة ، فتغير طعم  الأشياء ، وأصبحت أكثر بروزا ، تعرض نفسها علي  بإلحاح ، وتلمست نفسي -لأول مرة - معنى  العزة والتمنع والتأفف ، وبدا الفضاء أكثر رحابة ،   زاهيا بلون الورد ،  يفجر الفرح في أعماق الصخور الصماء ، وغدوت أخرج كل يوم من البيت مستغنيا عن البشر ، مستقبلا يومي بشوق  ، مأخوذا بجمال الطبيعة الذي كان محجوبا عني ، لم أكن من قبل – قبل أن استعيد كرامتي المهدورة - أشعر بأي علاقة   تربطني بقريتي ، وساكنيها ،  كان الناس من حولي يقومون بأدوارهم في هذا الكرنفال  الأبدي   ،طائعين راضين كالأنعام ، يمسكون بطونهم الخاوية ، و يهزون رؤوسهم الفارغة  على عادة الدراويش وهم يصفقون و يتغنون بالوطن والثورة والثوار ، ويرقصون في فوضى  على إيقاع أغاني الراي التالف ، بمناسبة وبغير مناسبة ، يعتزون بالتاريخ ، وباللغة والحضارة ، ويدفعونني من طريقهم  صارخين ابتعد ، يا علوش الخامل  الأبله ، ابتعد أيها التافه  ، ولم أكن أفقه أي معنى  لأقوالهم .
          صرخ الشيخ  في علوش : علوش مابك ؟ أنت تهذي ،  هل تشعر بالحمي؟ ومتى سقطت؟  انهض حاول أن تنهض.
تجاهل علوش  كلام الشيخ ، وواصل حديثه إلى الشيخ نفسه.
أيها الشيخ : كنت –بعد أن أغناني الله-  آخذ كل يوم مبلغا  من المال ،أوزعه على جيوبي ، وأسير في دربي هذا بثقة ؛  نحو الطريق المعبد المؤدي للمدينة ، كنت في دربي أدوس على الحجر الصوان الأصم ،فاسمع تصدعه تحت رجلي، وهو يتفتت ،  يطحن ،يسحق ، أرفع رجلي وألتفت ورائي فإذا هو غبار تذروه الريح عابثة.
أنت يا علوش ، أنت تضع رجلك على الحجر فينسحق؟.
        نعم ، أنا كنت أضع رجلي فوق الحجر الأصم فينسحق ،حين كانت الملايين تحت يدي. – وواصل وقد نسي الشيخ بجانبه تماما - أصل المدينة ، أطوف بأهم مقاهيها ، أقف متباهيا بمدخل كل مقهى ،وأتلذذ بنظرات روادها لجغرافيا جسمي الضئيل  المبجلة، داخل البذلة الجديدة، أخرج علبة سيجارتي ، ثم الولاعة ، أعرضهما كما يفعل الساحر؛   كي يراهما الحاسدون والطامعون ، الذين يرفعون أيديهم بالتحية كما يفعل المودعون، وكما يفعل كل صاحب مقهي  أقف على عتبة محله منتفشا كالديك المغرور ، يحييني ويقبل نحوي ، ألج متغطرسا ، أدفع متكرما أثمان مشروبات من ارتضيت من الرواد ،وأنصرف مشيعا مشكورا ، وهكذا كنت أمر بكل مقهى من مقاهي المدينة  كلبا يتبول بأصول شجيرات محددا بها  معالم مجاله الحيوي ، مثبتا بجذورها رائحته ،  ويزداد ثقة برسوخ مملكته  حين يلقى أهل البيت، فيتمسح بأرجلهم  ويشعر بالأنس ويغمره الفرح.
           وكما جاءت الملايين  بسرعة ذابت بسرعة ،تسربت من بين أصابعي قبل أن أفيق، وحين أفقت  وجدت نفسي وحيدا ، وقد تقلصت الأشياء من حولي ،  وخبت ألوانها وتداخلت ، وأصبحت مساحة الكون لا تتسع لحافتي الدرب أمامي ، والدرب لا يتسع لموقع رجلي ،  وعسر على المشي  ،  وأنا الآن علوش الأبله الفقير،المملوء بالحزن ، المشحون بالندم ،  أخرج من بيتي فارغ الوفاض ، تاركا ورائي بطونا يعصرها الجوع ،خدعتها لفترة ، لأن الحياة خدعتني ،أدب سالكا نفس الدرب  نحو المدينة  ، منهك القوى متعثرا،  متجنبا الدوس على الحصى خوف أن يختل توازني  فأترنح وأهوي على وجهي ، وفي غفلة مني ،  تعلق برجلي قشة من خشاش الأرض  ،تقذفني بها الريح ؛ فتفقدني توازني  فأسقط ، ويتعفر وجهي ، أمسحه بيدي العاجزة حد الشلل  وأقول : أروع المتع هي التي تأتيك صدفة وتغادرك في غفلة ودون استئذان ،قال الشيخ: ثم تمدد علوش وأسلم الروح.
الضيف حمراوي 10/07/2012


الأحد، 3 يونيو 2012

وعيد البعيث


وعيد البُعيث

     يحق  لحكام الجزائر، ولرجال النظام القائم فيها ، أن  يرحموا هذا الشعب ويرأفوا به إن تكرموا ، ولهم كامل الحق في أن يحتقروه ويعبثوا به وبمصيره  ، ويشتهزئوا بأماله وطموحاته إن شاؤوا واقتضت  أهواؤهم ومصالحهم ذلك ، وأن يستغلوه كأي شيئ آخر يصلح للاستغلال ، لأن ذلك هو الحق الطبيعي للذكي ؛ الفطن؛ القوي ،  على الغبي الأخرق الأبله الضعيف  ، هذه الصفات المتوفرة  في هؤلاء و أولئك ،  متجسدة في هذا الشعب ، واقعا مشاهدا،  قائما قيام الجوامد والشخوص المدركة بالحواس الخمسة  .
  ففي خروج علي بلحاج وأتباعه  في مسيرته يوم  05/25/ 2012 وهم يهتفون  :"الشعب يريد إسقاط البرلمان" ،  دون أن يكونوا مشاركين في الانتخابات البرلمانية  المطالب بإسقاطها ،ودون أن ينظموا مسيرات  للمطالبة بالمشاركة فيها  قبل إجرائها ، لا هو ؛   ولا حزبه المحل ،  هو نموذج من الجهود العبثية والبلهاء ، التي سبق أن جرت على الجزائريين ويلات تركت ندوبا غائرة ،قد لا تندمل إلا بعد حقب عديدة ، وحالت دون حدوث أي تغيير في الجزائر بعدها ،  وجعلت الشعب يحجم  عن أي تحرك جدي لإحداث تغيير تنعدم فيه الرؤية ،  والأطر، والغايات، وهذه المسيرة  جاءت في نفس الوقت الذي لم  تتجرأ فيه الأحزاب الفاشلة؛  المعنية مباشرة والتي شاركت في انتخابات ، ومرغت أنوفها ؛  وديست كرامتها بالنعال  ،رغم أن مرشحيها  دفعوا الملايير من أجل الفوز ، ورغم الخسران،  ومرارة الخيبة ، و رغم خروجهم بخفي حنين  .
           وقد يقول قائل من حقه فعل ذلك ، ما لم تنزع منه الجنسية الجزائرية ، وهو ما يستحيل حدوثه ، شاء من شاء ، وأبى من أبى -  غير أن المصيبة الأدهى  تتضح حين  يغير "المنتفضون " السائرون شعارهم ،  ليطرحوا هاتفين البديل المفترض لإسقاط البرلمان وهو شهادة الإسلام  : " لا إله إلا الله ،  محمد رسول الله ، عليها نحيا ، وعليها نموت ، وعليها نلقى الله-2- داخلين البرلمان بالسنة والقرآن  "  وكأنهم –بالنسبة للمقصود من الشعار الديني الأول -  وسط شعب وثني بدائي ،  هم وحدهم الموحدون فيه ،  والبقية  شعب من  شعوب غابات الأمازون ؛  مازال أفراده  يعبدون آلهة الغابات الاستوائية ،  أو كأن هذه الحفنة  وحدها من بين الجزائريين قاطبة ؛ هي  وحدها التي قرأت السنة والقرآن ،  وفهمتهما دون غيرها ،  أو كأن هذا هو المشروع السياسي  ؛ والاقتصادي ؛ الاجتماعي ، والثقافي  الذي سيخرج الجزائر  من كوارثها المتتالية ؛ ومن تخلفها،  لتلحق بالأمم التي أخذت بالمبدأين المرفوعين  أعلاه  ،[لا إله إلا الله ، والسنة والقرآن ] سر التقدم ، والتحضر،  قبلها دون أن تنتبه إلى ذلك؛  لا هي ،  ولا نحن: كالأمة  الألمانية ،والإنجليزية ، والأمريكية ، والسويدية ، والتي تحتمى؛ بها وبشعوبها  المؤمنةِ  ؛ الجماعاتُ الإسلاميةُ،  كلما أحست بالقهر في وطن من أوطانها  "الكافرة"!!  التي تدخل فيها البرلمانات بالانتخاب ، وليس بالسنة والقرآن ، وأخيرا  يبدو وكأن غاية الغايات لدى هؤلاء؛  هي دخول البرلمان -الذي يفترض أن يكون قد سقط : أي دخول برلمان غير موجود ، وهو الأمر الواقع فعلا دون حاجة إلى مسيرة ، بشهادة  تقرير لجنة مراقبة الانتخابات الحكومية ذاتها - بأي وسيلة كانت، ولا عبرة بعد ذلك لا بالإنسان، ولا بقيمة الإنسان.  
           وعوض أن يستهجن أتباعه ومناصروه  مثل هذه الحركات المسرحية؛  المبتذلة؛  الساذجة ،أو على الأقل يطالبونه  و لفيفه   ببرنامج سياسي؛  واقعي ؛ وعقلاني ؛ محدد ؛ توضح فيه طبيعة الدولة البديلة وهويتها ، ومرجعياتها ، وتوجهاتهاالمستقبلية ، ومنزلة الإنسان فيها ، وطبيعة علاقتها به ، فردا وجماعة ، ومؤسسات ، والغايات التي تنشدها، والمراحل ،والإجرءات العملية، وأدوات التنفيذ المختلفة، وسبل التصدي للعوائق الجمة والخطيرة المعاكسة، المحلية والدولية ، السياسية ، والاقتصادية  و.... ثم تقديم  هذا البرنامج وعرضه على  الراي العام ، الوطني والإقليمي على الأقل ليبدي  رأيه فيه، لأن المجتمع هو الغاية ، وهو الوسيلة ، وهو صاحب المصلحة أو المتضرر، وهو صاحب الرأي الأول والأخير .
        وعوضا عن ذلك كله ،  نجد العشرات ؛  بل المئات ؛ حتى لا نقول الألاف ،  ومن بينهم أدعياء الثقافة ،  وحملة الشهادات الجامعية ، كما يبدو من تدخلاتهم في "قناة المغاربية "، يمجدون هذا الشخص ومن تبعه ،  ويمجدون ما يقول ، وما يفعل بلا تحفظ ،وكأن العملية لعب صبيان في حي مهمل ؛ مما يكشف مستوى الوعي المتوفر في الجزائر حاليا ، سواء لدى الطبقة المثقفة المسبحة بحمد النظام الذي جمد المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة  ، أو "الجماعة" المنادية بالتغيير حتى وإن كان باتجاه  النـــــــــــــــــكوص و الإنقراض والفناء.
          والأسوأ من ذلك ؛ والأمر والأدهى ؛ هو ما يقابله ويناظره  من عامة الشعب ، ففي حصة  " صريح جدا" التي تبثها قناة النهار حول الرشوة ،يتفق الجميع على أن الرشوة والفساد هما عصب الحياة السياسية ؛ والاقتصادية ؛ والاجتماعية  ... في الجزائر ، و على جميع المستويات ، وفي جميع الأجهزة ؛  وفي مختلف القطاعات ، من أعلى هرم السلطة ، إلى أدنى مسئول في الدولة ، والجميع يقر بأنه مرغم  على دفع الرشوة ،  ومجبر على التعامل بها ،وهم محقون في ذلك بحكم الواقع المعيش، وأن الشعب بأسره   مخير بين شرين أدناهما مدمر ،  تفرضهما سلطة تتفرج على ضحاياها من وراء ستار، تنفذ إرادتها  أقنعة خاوية فارغة،  يملأ تجويفاتها هواء نتن موبوء:
- إما أن  يمتنع هذا الشعب عن التعامل بالرشوة -الركن المقدس في دين حكامنا- ويمتثل  لأوامر الشرع بأوامره ونواهيه ، ويلتزم بالفضائل الكبرى التي تحكم شعوب العالم   خشية أن يرتكب  المآثم المهلكة  ، ويصبح ملعونا ،بحكم النصوص الشرعية الصريحة التي لا تقبل التأويل .فينجو من النار ويدخل الجنة ، والقليل جدا من بين المستجوبين من نحا هذا النحو. ,ويرضى في مقابل ذلك بأن يجبر على التخلى عن حقوقه وممتلكاته المشروعة لغير مستحقيها بل لأعدائه .
- وإما أن  يدعو السلطات المسئولة في البلاد ،  ويتوسل إليها -وهو رأي غالبية المستجوبين-  كي تحارب الفساد والمفسدين ، وتردع المرتشين والراشين ، وكأن  هذا الشعب نزل فجأة من المريخ ، ولا يعرف أن السلطات  المـــــسئولة  ( الأقنعة)  ذاتها ؛ مأمورة بدورها  بألا تسمح لأي شخص مهما كان،  أن يتولى أي منصب ، في أي مستوى كان ، ما لم  يكن هو نفسه راش ومرتش ، تتوفر فيه صفة الفساد والإفساد، وإلحاق الأذى بالبلاد وما ومن عليها و فيها ، مع توفره على  الكفاءة في إتيان ذلك بإتقان ومهارة، وتطبيقه باقتدار ، مع تحصينه من كل متابعة ، وحمايته والدفاع عنه ، وردع كل من استنكر فساده وإفساده  أو تأذى منه.
وشعب  لا يخرج تفكيره عن هذين النموذجين ،ويطالب بالتغيير ،  يحق لحكامه أن يسعدوا به ، وأن يهنئوا ويرتاحوا ،  وأن يرددوا مع الشاعر:
 زعم البعيث أن سيقتل مربعا            فابشر بطول سلامة يا مربع.


الجمعة، 25 مايو 2012

فن التلخيص

فن التلخيص

إن القدرة على تلخيص النصوص وتقليصها من العمليات الصعبة والمهمة والمجدية في نفس الوقت ، تقاس نجاعتها بمدى  قدرة النص الملخص أو المقلص على الاحتفاظ  بمضمون النص المصدر ، بحيث يكون الناتج هو عملية مركبة تعكس قدرة الملخص أو المقلص على إتقان القراءة والتحكم في أدواته، وعلى قدرة تحليل المقروء ومعرفة ما أراده صاحب النص من نصه أو ما يحمله النص من أفكار و معاني وقيم في ذاته بغض النظر عما كان يريد صاحبه قوله ، لأننا لا يمكن أن نقول ما نريد كلما نريد .
تعريف التلخيص:تلخيص النص عملية لغوية أدبية تقنية إخبارية تهدف إلى نقل مضمون نص من النصوص بصورة موجزة مكثفة وصبها في نص ثان مع الحفاظ على مضمون النص المصدر قدر الممكن و المستطاع.و أهم العناصر التي يجب الحرص على نقلها هي:-
-1- الفكرة العامة -2- الأفكار الأساسية والجزئية-3- العلاقات المنطقية الإلزامية -4- بعض العلاقات غير الإلزامية ولكنها ملتصقة بفكرة أو بعلاقة منطقية إلزامية.
ولتقليص النص تتبع الخطوات التالية.
أ‌- مرحلة تحليل وتفكيك النص المراد تلخيصه.
- قراءة النص قراءة أولى لتحديد الفكرة أو الانطباع العام
- تذليل الصعوبات بتحديد الكلمات الغريبة و العبارات الصعبة والمعقدة التي قد تعيق الملخص وتمنعه من فهم النص أو جزءا منه وتذليلها. وتحديد الكلمات المحورية أو المفتاحية ، وغالبا ما تكون هذه الكلمات مرجعا تعود عليه الضمائر و الأوصاف والنعوت والأخبار..
- تحديد الفكرة العامة والأفكار الأساسية في جمل اسمية وفق الترتيب الذي وردت عليه في النص المصدر.
- تحديد العلاقات المنطقية الإلزامية والعلاقات المنطقية الإسهابية التي تربط أفكار النص وتحديد المنهج الذي يخضع له.
- حذف العلاقات المنطقية الإسهابية ، والأمثال ، والشواهد وكل ما يشكل محيطا مجاورا للفكرة الأساسية
ب –مرحلة بناء وتركيب النص الجديد
- يشرع الملخص في تأليف نص جديد يحمل نفس الأفكار، ونفس العناصر؛ ونفس العلاقات المنطقية المتحكمة في النص المصدر، دون إدخال أو إضافة أفكار أو عناصر جديدة، ودون تصويب أو تعديل أو تعليق أو استنتاج ملتزما أقصى ما يمكن من الموضوعية والحياد.
- احترام نفس الترتيب والتسلسل المنطقي، والروابط التي تحكم النص الأصلي الذي وردت عليه أفكار النص المصدر.
- استخدام الأسلوب المناسب والموافق لأسلوب النص المصدر: فأسلوب المقال الاجتماعي لتلخيص المقال الاجتماعي ، وأسلوب مقال النقد الأدبي لتلخيص نص مقال في النقد الأدبي...و هكذا.
- عدم الاستدلال أو الاستشهاد على ما يدرج في النص الناتج بمقاطع من النص الأصلي.
- حجم النص الملخص –الناتج- لا يمكن أن يتعدى ربع ¼ كلمات النص المصدر وأن يكون سماويا له في المضمون.
- أن يكون التلخيص بلغة و أسلوب الإنسان المخلص الذي يتخلى ويحذف كل أشكال الإطناب والإسهاب وكل العلاقات المنطقية غير الإلزامية كالجمل التي تكون في النص الأصلي بغرض توسيع الفكرة أو وصفها أو تأييدها أو تبرير رفضها بأدلة متنوعة ، أو زيادة التعليل والتدليل، آو تفصيل ما جاء مجملا أو أي إطناب لفظي أو معنوي فضلة.
- لا يحق للملخص استعمال ألفاظ وتراكيب النص الأصلي إلا الكلمات المفتاحية التي يؤدي ذهابها إلى ضياع المعنى أو كانت مصطلحات لا تعوض فيحق له الاحتفاظ بها استعمالها في تلخيصه.
-الالتزام بالحجم المطلوب وعدم الزيادة عليه أو الإنقاص منه.
جـ- المراجعة والتصحيح- قراءة النص الناتج وتصحيح الأخطاء التركيبية والنحوية والصرفية ومقارنته بما فيه من أفكار ومعان بما ورد في النص المصدر وخاصة الفكرة العامة والأفكار الأساسية وترتيبها المنطقي وترابطها فإن استوعبها كان التلخيص موفقا.
بعض القواعد التي يأخذ في التلخيص بعين الاعتبار:
* لا حذف إلا بدليل
*المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد يحذفان معا أو يتركان معا والمفحم بينهما أجنبي.
* حذف ما لا معنى له أولى.
* الأصل في المعارف ألا توصف.
* إنما وضع الكلام لفائدة وما زاد عن الفائدة في التلخيص يحذف
.
الضيف حمراوي

الثلاثاء، 15 مايو 2012

الحياة كما أراها


الجهل ؛ المدعو "الفقر الأخلاقي" ، حين يغتصب ، أو يتزوج ، المسماة السلطة ، أو يجمع  تحته بينها ، وبين المسماة الثروة، ينجب الشر في أبشع  صوره ؛ حتى وإن طلق إحداهما أو فارقها.

الاثنين، 14 مايو 2012

الهدية


الهدية

وانطلق موكب العروس، الفقيرة بلا حدود، تحت زغاريد النسوة المعرسات الحادة المتحدية، تنتهك حرمة أذان الجارات المتطلعات من الزوايا والشقوق،

وتنهدات الجدات، و الأمهات النافثات في العقد، وفي صدورهن.

 آزرتها طلقات البارود ؛ تزرع الرعب في قلوب العذارى من سرعة هذا الزمن القاسي  ،وتدمي بأصابعها الجارحة كلوم العوانس ؛  الواهنات ؛ الجالسات خلف الأبواب الموصدة، في هذه  البيوت الفقيرة؛  المتهالكة الجدران  ، المدعومة  بظهور شبانها  المقوسة ،  الملفوفة  في أسمال تربة، مغبرة ، متسخة ،يضحكون في بلاهة  ، ساخرين من كل شيء ، يمتعون النظر بسعف الدوم الحاد ، وأكف التين الشوكي المستعدة ؛  والمتأهبة لصفع هذه الخدود المكدودة ؛  البلهاء ،بعيونها المتلصصة المترصدة.

علا صوت من هناك مصدره " الزقاي" تصحبه قهقات هأ هأ هأ  :

-   يا البكري؛أرأيتم هذه  البرذعة  التي يحملونها فرحين،هأ – هأ- هأ  ؟.

تجاوبت معها قهقهات ساخرة؛  انطلقت من أسس الجدران المتقابلة؛ سرعان ما انكمشت، حين استدار نحوهم فارس من الموكب، وقبل أن يتحدث الفارس، أخرج حصانُه لسانَه ؛ ثم قال  -على عادة الحيوان في فن القول-  بلغة ركيكة من وراء لجامه، وكأنه يمضغ كرة من اللبان:

  - إن كنتم تسخرون منها فهي قد غادرت؛ على كل حال،  و إن كنتم تسخرون منا ؛ فإنكم لن تدركوا مقدار غبائكم إلا حين تعرفون البغل الذي نأخذها إليه... !. ثم استدار منصرفا ؛ وقد أغنى صاحبه عناء الحديث.

وبعد سنوات عديدة عادت العروس ،  سيدة منعمة مع ابنها ؛ في سيارة فخمة رباعية الدفع،ملأى بالمئونة و الهدايا ،  لجبر نفوس العوانس ، فخرج الناس  مستطلعين يتساءلون؛  لزيارة  من جاءت هذه السيدة الثرية؟  وكلهم يتمنى لو تجعل بيته مقصدها. وكان من بين الهدايا التي تلقاها"الزقاي" برذعة جديدة.... وارتفعت قهقهات  هأ - هأ –هأ . .. 

الضيف حمراوي 14/5/2012


السبت، 12 مايو 2012

معنى الإبداع

 معنى الإبداع
               مر طفل على نحات يتأمل صخرة من "الغرانيت" ثم يلامس جوانبها بمطرقته فقال له : لماذا تريد تكسيرها ؛ ما الذي تبحث عنه
بداخلها ؟ا
          نظر النحات إلى وجه الطفل؛  وقال بلطف: اٍصبر بضعة أيام وستعرف.
          وبعد مرور عدة أيام رجع الطفل إلى مكان الصخرة ؛ ولم يجدها ، بل وجد تمثالا رائعا لحصان جميل مكانها ، فأعجب به إعجابا ، وظل واقفا ، مأخوذا  بروعة  التشكيل ،  يتأمله لفترة طويلة ، وعندما التفت وجد النحات يتملى ملامحه البريئة بكثير من الحب، ولكن الطفل لم ينتبه لمشاعر النحات،  بل بادره : إنه حقا حصان جميل ورائع ، ولكن  قل لي أيها السيد ، كيف عرفت أنه كان داخل الصخرة؟ا

  .الدائرة جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزين...